أداة مبتكرة لقياس فوائد التحول الرقمي في ميلانو

تتميز الخدمات الحكومية الرقمية، سواء كانت تقدم إلكترونياً أو عبر الهواتف الذكية أو غيرها من الأجهزة الرقمية، بسهولة استخدامها مقارنة بالوسائل التقليدية التي تتطلب حضوراً شخصياً للمتعامل أو طالب الخدمة إلى مقر الجهة الحكومية.

شارك هذا المحتوى

تتميز الخدمات الحكومية الرقمية، سواء كانت تقدم إلكترونياً أو عبر الهواتف الذكية أو غيرها من الأجهزة الرقمية، بسهولة استخدامها مقارنة بالوسائل التقليدية التي تتطلب حضوراً شخصياً للمتعامل أو طالب الخدمة إلى مقر الجهة الحكومية. ولكن بالمقابل قلّما تقاس فوائد التحول الرقمي قياساً منهجياً ودقيقاً، يتيح معرفة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لكل خدمة رقمية أو نوع من الخدمات، أو حتى تكلفة التحول الرقمي الإجمالية. ويعود هذا التقصير في دراسة الفوائد إلى الوقت والجهد والتكلفة التي تتطلبها عملية تطوير الآلية الخاصة بذلك، وتطبيقها على كل خدمة رقمية، ثم مقارنتها مع نظيرتها التقليدية. هذا على الرغم من أهمية هذه المعرفة في رسم السياسات والاستراتيجيات، ووضع الأولويات، واتخاذ القرارات، سواء كان على المستوى الحكومي أو قطاع الأعمال.

دفعت هذه الحاجة بلدية ميلانو في إيطاليا إلى تطوير أداة تقيس وتحسب مخرجات وفوائد تحويل الخدمات التقليدية إلى رقمية من جهة الوفورات التي تحققها على صعيد الوقت والجهد، والتكلفة، والانبعاثات الضارة بالصحة والبيئة.

تهدف هذه الأداة التي أطلق عليها اسم “نموذج الاستدامة الرقمية” إلى توفير البيانات والمعلومات المهمة بشكل واضح لسكان المدينة، والدوائر والمؤسسات الحكومية، وصانعي القرار، حيث تعدّ جزءاً من خطة التحول الرقمي للمدينة.

تعمل الأداة على مقارنة الخدمة في حالتيها، الرقمية والتقليدية، لمعرفة فوائد وأثر التغيير. وتستخدم البيانات التي يتم جمعها من مختلف قطاعات الخدمات، مثل فترات انتظار العملاء في مراكز خدمة العملاء قبل حصولهم على الخدمة. ويستخدم المسؤولون في بلدية ميلانو هذه البيانات في رسم وتنفيذ السياسات العامة، نظراً لحجم الاستثمارات التي تصرف على تطوير الأنظمة والخدمات الحكومية.

يذكر أن تطوير النسخة الأولية أو التجريبية لهذه الأداة تمّ أساساً ضمن مشروع التحول الرقمي التكاملي الذي أطلقته ميلانو صيف العام 2016، بهدف تبسيط العمليات الحكومية وتقديم خدمات أفضل وأسهل استخداماً للمواطنين. وجرى اختبارها لأول مرة في مكتب السجل المدني في ميلانو.

وعند تطبيق “نموذج الاستدامة الرقمية” على الخدمة، تبين أن النسخة الرقمية توفر جهد التنقل في المدينة على المواطن بمعدل ساعة تقريباً، ومادياً يوفر ما يقارب 4.40 يورو (5.20 دولار أمريكي) لكل شهادة يطلبها. ومن جهة أخرى، وفر مكتب السجل المدني نحو 8 دقائق من الوقت على إصدار كل شهادة – أو ما بلغ مجموعه 45 ألف ساعة في العام 2019. كما ساهمت الشهادات الرقمية في تحقيق توفيرٍ قيمته 1.2 مليون يورو (أو 450 ألف ورقة) في استخدام الورق، هذا فضلاً عن تجنب انبعاث 49 طناً من الكربون (أو ما يعادل زرع 3,266 شجرة).

ثم وسعت البلدية تطبيق الأداة لقياس فوائد التحول الرقمي في مجالات أخرى شملت منصة لإدارة الوثائق، والدفع الإلكتروني لرسوم الخدمات، ونظام إصدار تراخيص الحفريات في المدينة. وضم هذا الأخير معلومات دقيقة وخرائط حول مواقع أنابيب المياه والكابلات الكهربائية وغيرها من بنى تحتية تحت الأرض. لم تصدر بعد نتائج هذه الدراسات، لكن بلدية ميلانو تعتزم بالنهاية تطبيق الأداة على كافة الدوائر والخدمات والمشاريع في المدينة.

من جهة أخرى، أدرك القائمون على المشروع أن الخيار باستخدام الخدمات التقليدية يجب أن يبقى متوفراً وإن كان بشكل محدود أو لفترة زمنية محددة، لضمان ألّا يستثني أياًّ من الفئات المجتمعية التي لا يمكنها استخدام الخدمات الرقمية لأسباب مختلفة.

ونظراً لتعذر تحويل بعض الخدمات بالكامل إلى منصة رقمية، لأسباب قانونية أو تشريعية، فإن المساعي تُبذل حالياً من أجل استخدام نتائج قياس فوائد التحول الرقمي لإقناع الجهات التشريعية بضرورة تذليل العقبات القانونية. وللتعويض عن الأثر البيئي لذلك الجزء من الخدمات التقليدية الذي سيظل قائماً، تنظر البلدية في إمكانية زراعة المزيد من الأشجار.

أكد القائمون على المشروع على أهمية توافر كمية كبيرة من البيانات لضمان نجاح كل من “نموذج الاستدامة الرقمية” والتحول الرقمي للمدينة. وهو ما دفعهم إلى العمل على تطوير إمكانية التشغيل البيني، فضلاً عما وصفوه بـ”مجمّع البيانات الذكية”، حيث تتوفر مختلف أنواع البيانات التي تساهم في تطوير خدمات رقمية جديدة، ما يتطلب ربط جميع الجهات الحكومية لتشارك في صنع البيانات.

وعلى الرغم من أن أداة قياس فوائد الخدمات الرقمية تم تطويرها بدعم من استشاريين خارجيين في تقنية المعلومات، والذين تحققوا من صحة قياسها للمؤشرات المطلوبة، إلا أن المسؤولين أكدوا على ضرورة وجود كادر داخلي يتمتع بالكفاءات المطلوبة، يكون قادراً على تحديد الأولويات من منظور الحكومة، ويعمل على إدارة مشاريع التحول الرقمي وقياس مزايا الخدمات الرقمية والإشراف على مختلف مراحل تلك المشاريع. وهذا أيضاً من شأنه تجنب بعض التحديات المحتملة، مثل عدم التوافقية في المواصفات التقنية بين الأنظمة المعتمدة من قبل الجهات الحكومية وتلك التي يوفرها الموردون الخارجيون.

أبرزت هذه الأداة أهمية إدارة التغيير داخل الجهة الحكومية، حيث أن الهدف من التحول الرقمي هو تسهيل الإجراءات وتحسين الخدمات، وليس الاستغناء عن الموظفين. وتأكد ذلك عند تحويل خدمات مكتب السجل المدني إلى خدمات رقمية، حيث لم ينجم عن هذا التحوّل أي تخفيض في عدد الموظفين. فالحاجة دائمة لموظفي خدمات يقدمون المساعدة لمن لا يستطيع استخدام الخدمات الرقمية أو لذوي الطلبات المستعجلة. وما قد يحدث في هذا السياق هو فقط تغير في المواصفات الوظيفية والأدوار.

الميزة الأهم في هذه الأداة هي أنها مبنية على نظام متقدم قيد التنفيذ لتوفير قابلية التشغيل البيني للبيانات في المستقبل، ما سيتيح إمكانية التواصل ومشاركة أحدث المعلومات بين مختلف الجهات التي ستستخدم النظام. هذا بالإضافة إلى أن الأداة يتم تطويرها كمصدر مفتوح يوفر إمكانية استخدامها من قبل مدن وبلديات أخرى حول العالم والاستفادة منها.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.