هل الحكومات مستعدة للذكاء الاصطناعي؟

عندما كانت الألعاب الأولمبية الصيفية على وشك الافتتاح في بكين عاصمة الصين، تصاعدت مخاوف الجهات الحكومية حيال مسألة التلوث العصيبة التي تواجهها المدينة.
عندما كانت الألعاب الأولمبية الصيفية على وشك الافتتاح في بكين عاصمة الصين، تصاعدت مخاوف الجهات الحكومية حيال مسألة التلوث العصيبة التي تواجهها المدينة.

شارك هذا المحتوى

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter
Share on email
Share on whatsapp

عندما كانت الألعاب الأولمبية الصيفية على وشك الافتتاح في بكين عاصمة الصين، تصاعدت مخاوف الجهات الحكومية حيال مسألة التلوث العصيبة التي تواجهها المدينة. ولتجنب المخاطرة بصحة الرياضيين والزوار الذي قدموا للمدينة لحضور الألعاب، أغلقت الحكومة عشرات من المصانع القريبة وفرضت قيودًا على القيادة أدت إلى تخفيض الازدحام المروري بنسبة 90% وذلك حسب تقارير حكومية حديثة. لم يكن أمام حكومة بكين خيارًا آخر سوى اتخاذ مثل هذه الإجراءات التي رآها الكثيرون قاسية وأثرت على اقتصاد المنطقة.

واليوم، تنتشر في بكين أجهزة استشعار قادرة على قياس حجم ثاني أكسيد الكربون وغيره من الملوثات في الجو. كما اتخذت إجراءات لتحويل البيانات الصادرة عن هذه الأجهزة والمعلومات التي تقدمها خدمة الرصد الجوي في المدينة إلى خوارزمية طورها مختبر “المادن” Almaden التابع لشركة آي بي إم في وادي السيلكون بهدف التنبؤ بمدى تأثر المدينة بمستويات عالية من التلوث. وبناءً على النتائج، يمكن للجهات اختيار المصانع التي يجب إغلاقها إذا رغبت في الحد من احتمالات تعرضها لمستويات عالية من التلوث بنسبة 50 بالمئة وذلك قبل أن يتفاقم الوضع.

والتقنية المسؤولة عن كل ذلك هي الذكاء الاصطناعي.

من خلال جمع كم هائل من البيانات وربطها بالبيانات السابقة المرتبطة بالأنماط الجوية، يمكن للمدينة توقع مدى حدة التلوث وبالتالي التحكم المبكر بقطاع التصنيع وحركة المرور بدلًا من إغلاق المدينة بأكملها كما حصل عام 2008. وتعتبر تلك طريقة عملية لاستخدام الذكاء الاصطناعي للتخفيف من حجم التحديات التي تواجه المدن والتقليل من أثرها على الاقتصاد والحد من التلوث بصورة عامة.

التقدم القائم على كم كبير من البيانات

إذا كنت تبحث عن كلمة واحدة تختصر وصف الذكاء الاصطناعي اليوم فإنها بالتأكيد كلمة “عملي”. وبينما يشعر الأفراد إما بالحماس أو الحذر من فكرة أن الحواسيب قادرة على الرؤية والسمع والتحدث، باتت الحكومات واثقة بالتطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي التي بإمكانها تحسين البيئة وتعزيز الأمن في المساحات العامة والأهم من ذلك تسيير الأعمال المتراكمة التي تعطل عمليات الحكومة.

في المقابل، نجد أن حقبة الذكاء الاصطناعي بدأت بالفعل في القطاع الخاص. فقد استعرضت مجلة “ذا إيكونومست” The Economist دور تقنيات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل المهام التقليدية كخدمات التوريد والتمويل والموارد البشرية وخدمة المتعاملين. فعلى سبيل المثال، تستخدم الشركات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمعدات التي يحتمل تعطلها أو  احتمال تأخر مستخدم ما في دفع المستحقات المترتبة عليه. إذ تستعين 30 بالمئة من الشركات بروبوتات محادثة خاصة بها للإجابة على الأسئلة وحل المسائل العالقة. أما في مجال إدارة الموارد البشرية، تعمل الشركات على إنشاء أنظمة قادرة على التنبؤ بالمتقدمين للوظائف المؤهلين للمقابلة ومسحهم لضمان التنوع في موظفي الشركة.

ذكرنا فقط بعضًا من الأمثلة التي يعتبرها الخبراء محدودة بالنسبة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتي تقدم فيها تقنيات التعلم الآلي والشبكات العصبونية والتحليلات التنبؤية نتائج تُفهم بالشكل المطلوب. وترتبط تطبيقات الذكاء الاصطناعي المحددة بالأتمتة الذكية للآليات التي تتطلب الكثير من العمل اليدوي والأسئلة التي تتطلب قرارات يمكن نقلها إلى الحواسيب.

يتطور الذكاء الاصطناعي في ظل توفر كم كبير من البيانات. وحتى وقت قريب، كانت عملية تخزين ومعالجة البيانات مكلفة للغاية بالنسبة لأي جهة. إلا أن تكاليف التخزين والأجهزة الإلكترونية انخفضت بشكل كبير مما يمكّن الجهات من تبني الذكاء الاصطناعي.

ولكن حتى الآن ما زال تبني الذكاء الاصطناعي في الجهات الحكومية والمحلية يسير وفق منحنى مشابه لتبني التكنولوجيا بشكل عام، فهو يحصل ولكن بوتيرة أبطأ وبمستوى أصغر بكثير لدى مقارنته مع القطاع الخاص.

فعلى الحكومات أن تجري مقارنات مرجعية بين تبنيها وتطبيقها لتقنيات الذكاء الاصطناعي وبين تطبيق جهات خاصة أخرى تعمل في مجال مشابه كقطاعات التمويل والمصارف وغيرها من الخدمات المالية. فعند النظر إلى الجهات التي حققت أداءً متقدمًا في هذه المجالات، نجد أن 15 بالمئة منها قد استثمرت مبالغ لا يستهان بها في تطبيقات قابلة للتوسيع مقابل استثمار بنسبة 2 بالمئة في القطاع الحكومي. وهذا ليس إلا دليل على مدى ضخامة الفجوة والأهم من ذلك حاجة الحكومات إلى أن تسير بشكل أسرع نحو تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.

التحاور مع الحكومة

رغم الجهود المتواضعة بعض الشيء لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الولايات والمناطق المحلية، إلا أن الرغبة باستخدام الذكاء الاصطناعي قوية وهناك تجارب في هذا المجال نستسقي منها دروس وفوائد كثيرة. ويتجلى هذا بوضوح في المحادثات القائمة على الذكاء الاصطناعي، إذ أطلقت الكثير من الحكومات روبوتات المحادثة. وهو يعتبر مجالًا ناشئًا يُحدِث فيه الذكاء الاصطناعي أثرًا على حكومات الولايات والحكومات المحلية ويخضع للكثير من التجارب. فعلى سبيل المثال، أطلق مكتب مقاطعة سان دييغو روبوت محادثة لمساعدة ضباط الشرطة على الحصول على المعلومات الهامة وهم داخل سياراتهم. ويقوم هؤلاء الضباط بالتواصل بموظف مركز الاتصال للبحث عن رقم لوحة السيارة أو التحقق من ملف مشتبه به. ويعد روبوت المحادثة الذي أطلق عليه اسم “Coptivity” مساعدًا يتم تفعيله بالصوت ويمكن للضباط التواصل معه وهم داخل سياراتهم وهو قادر على استخراج السوابق الإجرامية وغيرها من المعلومات من قواعد البيانات في الوقت الفعلي. كما أنه يوفر الوقت الذي يمضيه موظفو مركز الاتصال في تأدية المهام الروتينية مما يسمح لهم بالتركيز على طلبات المعلومات الأكثر تقدمًا. لن يكون هذا التطبيق للذكاء الاصطناعي ممكنًا دون الحوسبة السحابية التي تجمع البيانات والخدمات المعرفية والحوسبة المتطورة التي تمكن الضباط من الاستجابة بسرعة.

وهكذا تعد روبوتات المحادثة الشكل الأكثر انتشارًا من الذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي. ولكنها في الوقت الحالي تستخدم في تطبيقات محدودة للإجابة على أسئلة بسيطة ومتكررة. ولكن قيمتها تتزايد عند الاستماع للمزيد من المحادثات وتلقّي المزيد من الأسئلة والتعلم منها وتقديم التغذية الراجعة التي تحسن من الخدمات المقدمة للمتعامل.

تعمل شركة “CallMiner” في مجال برامج الذكاء الاصطناعي وتقدم خدماتها لمراكز الاتصال من خلال الاستماع للمكالمات الهاتفية وتخزين المعلومات في قاعدة بيانات يمكن استخدامها لاحقًا من قبل مراكز اتصال أخرى لفهم ما إن كان المتعامل راضيًا عن الخدمة وتحديد المخاطر في المكالمة وغيرها من النتائج كالقدرة على دفع الفاتورة.  ومع مرور الوقت، تتمكن الخوارزميات التي تطورها الشركة من تعزيز فاعلية موظفي مراكز الاتصال بأضعاف كثيرة مما يوفر على الشركات ملايين الدولارات.

هناك فرصة حقيقية كامنة لاستخدام هذا الشكل المميز من الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتحسين تجربة المتعامل في الحكومة وخاصةً في مراكز الاستعلامات 311. حيث يتصل الأفراد على الرقم 311 للحصول على إجابات على أسئلتهم أو طلب الخدمات أو تقديم شكوى حول مسألة ما. ومن خلال جمع كافة أنواع المكالمات في قاعدة بيانات واحدة ومن ثم إنشاء نظام للتعلم الآلي، يمكن للحكومات المحلية أن تبدأ بالتنبؤ بهوية المتصل بناءً على مصدر الاتصال من خلال هاتف متحرك أو ثابت وما إن كان قد اتصل بالمركز مسبقًا وتقديم معلومات حول مكالماته السابقة. وعبر التنقيب عن هذه المعلومات، يمكن للذكاء الاصطناعي توجيه مكالمات متصلين محددين لموظفين معينين يمكنهم الإجابة عن أسئلتهم أو شكواهم بشكل أسرع وأدق. 

يُشير خبراء الذكاء الاصطناعي بأن قيمة هذه التقنية الحالية تكمن في قدرتها على تحويل كم كبير من البيانات وإيجاد حالات الخلل أو الأنماط التي قد يستغرق الإنسان وقتًا طويلًا في ملاحظتها ومن ثم استخدام التنبيهات لدفع الموظفين إلى طرح أسئلة ذات صلة أكبر بالموضوع أو تمكين روبوت المحادثة من تقديم إجابات أكثر دقة. وعند تعميم هذه التنبيهات والإنذارات والاستجابات الذكية على عدد كبير من مراكز الخدمات الحكومية ومن أنظمة 311 البلدية إلى برامج التأهل للحصول على المساعدات الطبية، تبدأ  كفاءة الأداء بإحداث تأثير على العمليات ناهيك عن ارتفاع رضا المتعاملين.

الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز الأداء وليست بديل

يتصور خبراء الذكاء الاصطناعي مرحلة في المستقبل القريب تجيب فيها روبوتات المحادثة على عدد متزايد من المكالمات والاستفسارات والشكاوى على الرقم 311 ويتنبؤون أيضًا بقدرة هذه الروبوتات على تحويل الأسئلة الأولية التي قد تطرح عند الاتصال برقم الطوارئ 911 قبل تحويلها إلى موظف الاتصال. ولكن التقنيات لم تصل إلى هذه المرحلة بعد.

يكمن التحدي في جعل المكالمة مع روبوت المحادثة أقرب إلى محادثة طبيعية. وفي الوقت الحالي، تعمل روبوتات المحادثة بشكل جيد عندما يطرح عليها سؤالاً تفهمه ويمكنها الإجابة عليه. ولكن هذا يختلف عن طبيعة التواصل بين البشر. فإذا اتصلت بأي مركز اتصال سيقوم الموظف والمتصل بتبادل عدة أسئلة وإجابات لتوضيح الموقف. ويعد الوصول إلى مكالمة طبيعية يتبادل فيها الروبوت معلومات مع المتصل لفهم حاجته جزءًا هامًا من الأبحاث في هذا المجال.

كما تنشأ تحديات أخرى مع انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ يتعلق التحدي الأول في تطوير فهم أفضل لمصدر بعض العلاقات المتداخلة. فهناك فرق شاسع بين وجود علاقات متداخلة قادرة على التنبؤ بأنماط تلوث الهواء وصنع القرارات القائمة عليها والتي تؤثر على صحة وسلامة الأفراد أو على سياسة حكومية أخرى لها أهمية. 

لذلك يجب أن يعمل الذكاء الاصطناعي كمعزز للمهمة التي يؤديها الأشخاص لا كبديل لهم. ويعني ذلك أن يكون الخبير المسؤول عن اتخاذ القرارات بناءً على تقنيات الذكاء الاصطناعي ملمًا بمصادر البيانات والمخرجات والأسباب التي دفعت النظام للتوصل لتوصية أو رابط ما.

أما التحدي الآخر فيتمثل في الحفاظ على حيادية نتائج الذكاء الاصطناعي. حيث تمضي مختبرات “المادن” وقتًا طويلًا في التوصل إلى طريقة للتأكد من أن نظام الذكاء الاصطناعي لم يتعرض للتحيز غير المتعمد إلا أنها مسألة ليست سهلة الحل.

تواجه الحكومات المحلية وحكومات الولايات عقبات خاصة بها لدى البدء باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يتجاوز التحديات الأساسية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بحد ذاته. ولن نتفاجأ إن علمنا أن الانخفاض المستمر في الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات في القطاع الحكومي قد أخّر من تبني الحكومة لتقنيات الذكاء الاصطناعي. فالمنظومة التقنية في كل من الحكومات المحلية وحكومات الولايات قديمة جدًا ولم تخضع للتحديث بالوتيرة التي نراها في القطاع الخاص.

كما أن تدني عدد علماء البيانات في القطاع الحكومي يمثل سببًا آخر للانتشار البطيء لتقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي. فإن لم تتوفر لديها المعرفة أو الخبرة المناسبة للخروج بحلول الذكاء الاصطناعي، ستعتمد الحكومات المحلية وحكومات الولايات على جهات خارجية لمعرفة السبيل الأنسب لاستخدام الذكاء الاصطناعي. ولا يمكننا أن ننسى هنا مخاوف الأفراد تجاه الذكاء الاصطناعي. وعليه، ينبغي على الحكومة أن تكون أكثر شفافية من القطاع الخاص في تبني واستخدام الذكاء الاصطناعي.

لنحذر من الفجوة التقنية

في تقرير نُشر عام 2017 حول الاستخدامات المحتملة للذكاء الاصطناعي في الحكومة، توقعت “Deloitte Insights” أن الذكاء الاصطناعي سيوفر 30 بالمئة من وقت الموظفين الحكوميين خلال خمس إلى سبع سنوات وذلك شرط وجود الاستثمار والدعم المناسبين. وعلى نحو مشابه للتغيير الذي أحدثته الجداول الرقمية في طبيعة عمل أقسام المحاسبة بالشركات، يتوقع تقرير صادر عن مجلة “ذا إيكونومست” أن الذكاء الاصطناعي سيضفي الكفاءة على المهام الروتينية والعمليات المساندة.

ويتوقع أن تتحقق هذه الكفاءة على مستوى الحكومات المحلية وحكومات الولايات. ومن الممكن للجهات الحكومية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي أن تتمتع بقيمة عالية محتملة تتمثل في مكافحة الاحتيال والهدر وإساءة استخدام الذكاء الاصطناعي.

أما الطريقة المثلى للبدء باستخدام الذكاء الاصطناعي فتتمثل في تحديد المواضع الرئيسية التي من الممكن تطبيق هذه التقنية عليها في برنامج ما. أما الجانب الآخر فهو مرتبط بضمان توفر كم كافٍ من البيانات في هذا البرنامج لتدريب النظام بفعالية.

وإذا توفر لدى الحكومات المحلية وحكومات الولايات برنامج مرشح لتطبيق الذكاء الاصطناعي والكمية الكافية من البيانات، فإنه يمكنها الاستفادة من البرامج المعرفية الموجودة في السوق لتساعدها في البدء بتطبيق مثمر لهذه التقنية. إذ تتجه اهتمامات مزودي هذه التقنيات إلى سوق القطاع الحكومي فيما يخص الذكاء الاصطناعي بشكل خاص.

وفي إطار سعيها نحو اتباع نهج استراتيجي فيما يتعلق بالدور المستقبلي للذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي، يجب على حكومات الولايات والحكومات المحلية أن تصب تركيزها على التحاور مع أكبر عدد ممكن من الأفراد. فقد اعتاد المجتمع على التعامل مع الذكاء الاصطناعي في المجال التجاري ويتوقعون استخدام المساعد الافتراضي أو روبوت المحادثة أو أي نوع من الخدمات الذكية، لذلك من المهم ألا تبقى الحكومات متأخرة عن ركب تبني الذكاء الاصطناعي.

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتكون أول من يعلم بموعد إطلاق المنصة الجديدة المتكاملة للابتكار في منطقة الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة