مختبر للابتكار يعزز مفهوم التغيير في إستونيا

تخيّل أنك في دولة يتواصل فيها رواد الأعمال مع الحكومة وينجحون في تحويل صورتها من دولة متورطة في قضايا غسل الأموال إلى سوق واعد لشركات التقنية المالية.
تخيّل أنك في دولة يتواصل فيها رواد الأعمال مع الحكومة وينجحون في تحويل صورتها من دولة متورطة في قضايا غسل الأموال إلى سوق واعد لشركات التقنية المالية.

شارك هذا المحتوى

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter
Share on email
Share on whatsapp

لا يمكننا تجاوز التحديات ونحن نعمل في معزل عن بعضنا، فلمَ تصر الحكومات على الاستمرار في هذا النهج؟ 

تخيّل أنك في دولة يتواصل فيها رواد الأعمال مع الحكومة وينجحون في تحويل صورتها من دولة متورطة في قضايا غسل الأموال إلى سوق واعد لشركات التقنية المالية. أو تخيّل أن تتحدى الحكومة القطاع الخاص لتحويل الدولة إلى مركز يجذب الأفراد المعتمدين على التكنولوجيا في أعمالهم أو لتحويل ملامح الاقتصاد المحلي ليُصبح سبّاقًا في تبني النهج الدائري في عملياته. هذا هو الواقع الذي نعمل من أجله في إستونيا.

فما الذي يحدث هنا؟

غالبًا ما تجد الحكومات الديمقراطية نفسها أمام مفارقة كبيرة، فمن المفترض أنها تتصدى للقضايا الهامة التي لا يمكن للقطاع الخاص حلها لكنها تجد نفسها أمام أدوات وإمكانيات محدودة النطاق. فمثلًا، قد يسعى مسؤول عن صنع السياسات لتمهيد الطريق أمام استخدام السيارات الطائرة؛ لكن كل ما يمكنه فعله هو طرح التشريعات التي تسمح باستخدام الطائرات المسيرة. وقد يتطلع مسؤول في إدارة أخرى إلى توظيف التقنيات في مجال الرعاية الصحية، إلا أن صلاحياته لا تشمل السياسات المتعلقة بالشركات الناشئة. ومن جهتي، أتمنى أن أتمكن من تقليل فجوة الأجور بين الجنسين ولكنني لست متمرسًا إلا على الأدوات التي أعرفها مسبقًا.

لنتأمل الوضع الراهن قليلاً، يتوقع الأفراد الحصول على خدمات حكومية ذات جودة عالية بينما تبقى الحكومات غير مستعدة لمواجهة التحديات التي تشمل قطاعات خارج نطاق عملها. وهكذا فقد وصلت مستويات الرضا والثقة تجاه الخدمات الحكومية إلى تدني غير مسبوق. من هذا المنطلق، تأخذ “أكسيليريت إستونيا” على عاتقها السير بمنهجيات مختلفة عن المعتاد. فقد تأسست هذه الوحدة عام 2019 لتكون المسؤولة عن الابتكار داخل الحكومة الإستونية، ويتمثل هدفها في تجاوز التحديات الصعبة وتحويلها إلى أفكار جديدة تقدم خدمات أفضل للمجتمع وقيمة اقتصادية أعلى للدولة.

ينصب تركيزنا على معالجة التحديات الهامة لأننا نؤمن بأن التحديات الأصغر حجمًا ليست إلا عوارض لتحدٍ أكبر إلى درجة تجعله يتعذر الفهم أو إجراء التغيير. إلا أن هذا لن يُثنينا عن المحاولة، فلدينا ماضٍ نستمد منه أدلة على نجاح هذه المحاولات. خذ على سبيل المثال مهمة أبولو إلى القمر التي حشدت جهود القطاع الحكومي وجهاز البحث والتطوير بأكمله لتحقيق هدف مشترك. أو كوريا الجنوبية التي حققت نقلة نوعية في تعاملها مع هدر الطعام عبر طرح سلسلة قيمة جديدة وفرت فرصًا كبيرة لتأسيس الشركات الجديدة. وتشترك هاتان الخطوتان بعامل واحد وهو أنهما لم تكونا جاذبتين للقطاع الخاص إلا بعد تدخل الحكومة.

ومن هنا أعتقد أن الدور الرئيسي للحكومات يتمثل في إعادة تصميم الأسواق غير الجاذبة إلى فرص اقتصادية يستفيد منها القطاع الخاص. وعلى نحو أدق، على القطاع الحكومي إيجاد الحلول للتحديات المنطوية على مخاطر كفيلة في إبعاد القطاع الخاص ومن ثم استيعاب هذه المخاطر قبل أن يستعد القطاع الخاص للتدخل وتولي زمام الأمور. بعدها يأتي دور “أكسيليريت إستونيا” بآليتها المتناسقة والمتعددة الخطوات.

تحقيق القيمة

في البداية علينا أن نحدد واضعي السياسات المهتمين حقًا بالابتكار الذي قد يُثمر عن إحداث تغيير جذري، ومن ثم تحديد التحديات الهامة المرتبطة بمجال اختصاصهم أو مجالات الخدمة العامة. وبعدها ندعو القطاع الخاص لاقتراح الحلول في هذه المجالات ونشارك مع واضعي السياسات الأفكار التي سيلتزمون بتنفيذها. وفي مرحلة متقدمة، يختار مجلس يتألف من الجهات المعنية في القطاع الحكومي والخاص الأفكار الواعدة منها. بينما يتمثل دورنا في توفير برنامج لاحتضان هذه الأفكار ليتسنى لأصحابها تحديد قيمتها المقترحة للقطاعين الحكومي والخاص وكيفية تنفيذها وطبيعة مساهمتها في إنشاء أسواق جديدة. وبالتحديد، يقع اختيارنا على التحديات التي تتطلب من الحكومة اتخاذ الخطوة الأولى.

وكجزء من عملية استيعاب المخاطر التي تقع على عاتق الجهات الحكومية، ينبغي عليها توفير الخدمات المساندة أو تغيير ظروف السوق لتحفيز القطاع الخاص على اقتراح الحلول. ولا شك أن تغيير ظروف السوق ليس بالأمر السهل؛ فقدرات الحكومة وتوجهاتها ليست معنية بهذه التفاصيل. ولذلك تستهدف “أكسيليريت إستونيا” المبادرات التي تعمل على إنشاء الأسواق فقط.

وتنبثق فلسفة “أكسيليريت إستونيا” من مبدأ تحقيق نتائج كثيرة بخطوات بسيطة. فلا يمكننا مواجهة جميع التحديات بعقلية إنشاء الأسواق، ولكن اتخاذ بعض الخطوات المناسبة قد يسرع نمونا بشكل ملموس. وبالتالي من المهم أن نختار التحدي الذي يمكننا التصدي له بشكل فاعل.

وقد توصلنا من خبرتنا وخبرة مختبرات السياسات والمسرعات المشابهة أن الخطوة الأكثر أهمية تكمن في إيجاد أعضاء الفريق المناسبين، بدءًا من مسؤول وضع السياسات الراغب بالتغيير في مجال اختصاصه وصولًا إلى رائد الأعمال المكلف الذي يتمتع بالحافز الكافي للمشاركة.

الاحتضان لقطاع حكومي أفضل

قطعت الحكومة الإستونية شوطًا كبيراً في تحديد التحديات الهامة أو الفرص المتوفرة لتحويلها إلى مصادر للدخل. وأفضل الأمثلة على ذلك، مشروع الإقامة الإلكترونية eResidency الذي حوّل بعض الخطوات التنظيمية التي اتخذتها الحكومة الإستونية إلى سوق لأكثر من 10000 شركة ومصدر ثابت للدخل الإضافي. ويقوم هذا المشروع على إتاحة استخدام الخدمات الرقمية الإستونية أمام أي شخص في العالم مهتم بالعمل في إستونيا أو بتأسيس مشروع إلكتروني في الاتحاد الأوروبي. انطلقت فكرة هذه الخدمة في أواخر عام 2014 واكتسبت زخمًا بوصفها “شركة ناشئة حكومية” تعود بالنفع على المجتمع ككل.

تسعى “أكسيليريت إستونيا” للاستفادة من هذه التجربة للمضي قُدمًا في عملية التحول الحكومي. وينطوي هدفها على شقين: إيجاد الأسواق الجديدة ومواجهة التحديات الحكومية الهامة. ويكمن العنصر الأساسي في التركيز على الاحتياجات المجتمعية والاقتصادية والبيئية أو في المجالات التي تتاح فيها فرص ثمينة لا تفوت للابتكار. والجهات الأكثر استفادةً هي:

  1. الجهات الحكومية المسؤولة عن إيجاد الحلول للتحديات
  2. فئات المجتمع أو الاقتصاد أو البيئة التي تواجه هذه التحديات
  3. الشركات والمشاريع المهتمة بالانتفاع من الفرص الجديدة في السوق
  4. الحكومة من خلال إيجاد مصادر جديدة للدخل

نحتضن حاليًا ثمان أفكار مبتكرة ولكننا نتوقع طرح ما يقارب ضعفها مع حلول النصف الثاني من العام. وعلى المدى الطويل، يجب أن يصبح تحويل التحديات إلى فرص جديدة هو الاتجاه السائد المحفز على الابتكار. أما على المدى القصير، نسعى لنبرهن أن الاقتصاد الدائري ومبدأ “اعرف متعاملك” والشؤون اللوجستية الرقمية والخدمات الاجتماعية ستثبت جدارتها شرط أن تبدي الحكومة استعدادها. كما يُتوقع أن تغير بعض الشراكات بين القطاعين الحكومي والخاص الكثير من الأمور على مستوى العالم حيث أعلنت “أكسيليريت إستونيا” عن إطلاق “هاكاثون” إلكتروني لمساعدة الحكومة على الاستجابة لأزمة فيروس كورونا الحالية.

كتب هذا المقال ميك فاينيك، مدير “أكسيليريت إستونيا”.

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتكون أول من يعلم بموعد إطلاق المنصة الجديدة المتكاملة للابتكار في منطقة الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

الخدمات

البيروقراطية في القطاع الحكومي

لا شك أن العمل ضمن منظومة القطاع الحكومي أمر ليس بالسهل، حيث أن البيروقراطية التي يواجهها هذا القطاع حالة ظهرت قبل أكثر من مائة عام، وبالتحديد في أعقاب الثورة الصناعية، حينما بدأ التفكير بما تحتاجه أي هيئة مركزية لتتمكن من تصميم وتقديم خدمات حكومية بموثوقية وعدالة ضمن نطاق واسع.