كيف يصبح الموظف الحكومي مُبتكرًا؟

أصبح الابتكار في القطاع الحكومي خلال السنوات الماضية مسألةً ذات أهمية في الأوساط الحكومية.
أصبح الابتكار في القطاع الحكومي خلال السنوات الماضية مسألةً ذات أهمية في الأوساط الحكومية.

شارك هذا المحتوى

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter
Share on email
Share on whatsapp

أصبح الابتكار في القطاع الحكومي خلال السنوات الماضية مسألةً ذات أهمية في الأوساط الحكومية. وهناك الكثير من الأدوات والأساليب والتقارير وأطر العمل والمنهجيات التي وُضعت لدعم الابتكار في القطاع الحكومي. وعلى وجه التحديد، أنصحكم بإلقاء نظرة على الأدوات والمنهجيّات وأطر العمل المميزة التي طورتها جهات مثل “نيستا” NESTA ومركز الأثر العام The Centre for Public Impact ومبادرة “What Works Cities”. كما تطرقت بعض الجهود إلى التعرف على مفهوم ريادة الأعمال الحكومية وإلى سبل تهيئة الظروف المناسبة لإنجاح رواد الأعمال الموظفين ضمن هذه الجهات.

إذا ما قبلنا بافتراض منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD القائل بأن الابتكار في القطاع الحكومي ما هو إلا نشاط إنساني فردي، تبرز لدينا الأسئلة التالية: من أصحاب هذا التغيير الإيجابي؟ ولماذا يتبعون نهجًا جديدًا في الارتقاء بالصالح العام؟ وكيف يظهر الدافع نحو الابتكار داخل الموظف الحكومي؟ وما الدوافع الداخلية التي تُلهم الموظفين الحكوميين إرادة التغيير من داخل الجهات التي يعملون بها؟

في محاولةٍ للإجابة على تلك الأسئلة، بدأتُ بتحديد أنماط مشاعر الموظفين الحكوميين التي تثير لديهم الرغبة بتحقيق تغيير إيجابي مستمر وذلك بعد إجراء محادثات مع مئات من المبتكرين الحكوميين منذ عام 2006 واستضافة شبكة من سفراء التغيير في بلدية إدمونتون منذ عام 2016. وبعدها أعدتُ ترتيب هذه الأنماط وجعلتُ منها أساسًا لإطار عمل يهدف إلى فهم كيفية تشكُل الدافع نحو الابتكار لدى الموظفين الحكوميين يمكننا أن نطلق عليه اسم “التطور الشخصي للمبتكرين الحكوميين”. وخلال إطار التطور الشخصي هذا يمر الأفراد بخمس مراحل رئيسية تمتلك جذورًا عاطفية خاصة بها وهي: مرحلة التراجع ومرحلة الجمود ومرحلة التشتت والمرحلة الثورية ومرحلة تعدد الأفق. فلنتطرق الآن لكل منها على حدة.

مرحلة التراجع

ينتاب الموظفين الحكوميين في هذه المرحلة مشاعر تتلخص بالمقولة التالية: “لنهدم كل ما لدينا الآن ونعيد الأمور إلى سابق عهدها”. وذلك لأنهم يتوقون للرجوع إلى الماضي ويرونه أفضل من الوضع الحالي. وتشمل المشاعر المهيمنة على الأفراد في هذه المرحلة الشغف والحماس والغضب والخوف. أما الظروف التي تدفع الأفراد للدخول في هذه الحالة فهي:

  • تغير القيادة (إما على مستوى الإدارات الحكومية أو ضمن بعض الفرق)
  • الخوف من خسارة الصلاحيات أو الشعور بفقدانهما
  • تخفيض نفقات الجهة أو احتمالية حصول ذلك
  • التعرض للصدمات النفسية في بيئة العمل (كالتنمر في معظم الأحيان)
  • نشوب النزاعات بين الأفراد أو فرق العمل

وينتج عن هذه المرحلة (التي يرغب فيها الموظف للعودة إلى ماضٍ مثالي) تداعيات على المجتمع بانعدام الاستقرار، إذ سيشعر أفراد المجتمع بالتغيرات التي يُحدثها الموظفون الذين يمرون بهذه الحالة بأنها موجهة ضدهم ولا تصب لصالحهم أو تُنفذ لأجلهم. 

مرحلة الجمود

يعتقد الموظفون الحكوميون في هذه الحالة أن “كل شيء على ما يرام، وليس هناك ما يجب تغييره” وهي حالة طبيعية وشائعة في القطاع الحكومي. وتشمل المشاعر المهيمنة على الأفراد في هذه المرحلة التخاذل واللامبالاة والتشاؤم والشك أو الاستسلام للوضع الراهن. أما الظروف التي تدفع الأفراد للدخول في هذه الحالة فهي:

  • الاستفادة من الوضع القائم بطريقة أو بأخرى
  • العمل في القطاع الحكومي منذ زمن بعيد
  • الافتقار إلى التفاعل مع الوظيفة
  • محاولة إحداث تغيير من داخل الجهة ومواجهته بالرفض أو المعارضة

نستنتج من هنا أنه ليس من الممكن تحقيق أي تغيير أو ابتكار في هذا المرحلة. أما أثرها على المجتمع فيتمثل في بقاء الوضع القائم على ما هو عليه إيجابيًا كان أم سلبيًا. وقد تبقى الأمور على حالها داخل الجهة، إلا أنه لا يمكنها تفادي التغيرات الناتجة عن العوامل الخارجية على المدى البعيد. وحسب معطيات الموقف، قد تنعكس على الأفراد عدد من الآثار المجتمعية، ولكنها ستكون نتاج عوامل خارجية لا علاقة لها بجهود الموظفون الحكوميون وهم في مرحلة الجمود.

مرحلة التشتت

تتلخص مشاعر الموظفين الحكوميين في هذه الحالة بالشعار التالي: “لنصلح الأوضاع الراهنة”، بينما تهيمن عليهم مشاعر التململ والانزعاج والإحباط. إذ يشعر الموظفون الذين يمرون بهذه الحالة بوجود تحدٍ من الممكن مواجهته ويدركون احتمالية تحقيق “المكاسب السريعة”. أما الظروف التي تدفع الأفراد للدخول في هذه الحالة فهي:

  • المواجهة المباشرة لتحدٍ يتعلق “بطريقة سير العمل”
  • الحصول على معلومات تفيد بوجود تحدٍ يتعلق “بطريقة سير العمل”

عادةً ما يكون للتغييرات والابتكارات الناتجة عن هذه المرحلة أثر طفيف جدًا على المجتمع لأنها تتطرق إلى أعراض التحديات لا مسبباتها.

المرحلة الثورية

يدخل الموظفون الحكوميون في حالة توصف بـ”فلنغير النظام القائم”. وتشمل المشاعر المهيمنة على الأفراد في هذه المرحلة الشغف والحماس والغضب والخوف. أما الظروف التي تدفع الأفراد للدخول في هذه الحالة فهي:

  • فشل الجهود التي قاموا بها في حالة التشتت أو مواجهتها للرفض أو الممانعة
  • وجود مصلحة شخصية في تحقيق التغيير أو الابتكار المنشود
  • التعرض لصدمات نفسية في بيئة العمل (كالتمييز أو التنمر)
  • الإفراط في التفاعل والالتزام بالوظيفة

من شأن التغيرات والابتكارات التي يحققها الموظفون الحكوميون في الحالة الثورية إحداث أثر راسخ على المجتمع، ذلك لأن الموظفين يدركون في هذه المرحلة أسباب التحديات التي يحاولون مواجهتها. ولا يخفى أن الموظف في المرحلة الثورية تهيمن عليه نفس المشاعر المرتبطة بحالة التراجع. ومرد ذلك هو تشابه مرحلة التراجع والمرحلة الثورية، مما يزيد من أهمية المرحلتين عند دراستهما. لذلك سنخصص مقالاً في وقت لاحق للتطرق إلى هذه المسألة.

مرحلة تعدد الأفق

يرفع الموظفون في هذه المرحلة شعار: “لنتكيف ونتعامل مع ما سيأتي”. وتشمل المشاعر المهيمنة عليهم في هذه المرحلة الحب والبهجة والفضول. أما الظروف التي تدفع الموظفين للدخول في هذه الحالة فهي:

  • تجسيد مبادئ القيادة التكيفية ومبادئ قيادة الأنظمة
  • التعامل في وقت سابق مع مسائل السلطة أو مسائل الامتيازات
  • التحلي بوعي ذاتي وحدسي وروحي
  • الاعتقاد الراسخ بأنهم عوامل لتحقيق التغيير
  • تبني مبادئ التعلّم المستمر واكتساب العادات الجديدة بدلاً من التقليدية
  • التفكير والنظر إلى الأمور بشمولية

ويصاحب الابتكارات والتغييرات الناتجة عن هذه الحالة أثر حقيقي يُحدث نقلة نوعية في التفكير لدى المجتمع.

نقاط تجدر الإشارة إليها

قد تبدو مراحل التطور الشخصي للمبتكرين الحكوميين ثابتة وراسخة إلا أنها ليست كذلك. ولهذا السبب ثمة نقاط ينبغي التعرف عليها عند تطبيق هذا الإطار في عملك.

1. التطور عملية شخصية

يختلف الأفراد في تفسير إطار التطور، كما أن فهمهم له سيتغير مع مرور الزمن. ويقصد بهذا أن تعريف الممارسات الثورية يختلف من شخص لآخر تبعًا لمدى تقبله للمجازفة أو المخاطرة. أما في سياق إحداث تغيير من داخل الحكومة، فلا يمكننا أن نستهين بأي خطوة من الاعراب للقيادات عن الحقائق إلى إجراء تغيير على نموذج بيانات. فلا يتحقق التغيير الإيجابي داخل الحكومات إلا باعتماد مختلف التفسيرات لمفهوم الممارسات الثورية.

2. السياق عنصر أساسي

يشكل السياق المحيط بالموظف فهمه للتصرفات التي تمليها عليه المراحل التي تحدثنا عنها. وبصورة مشابهة، ينظر الموظف المُحاط ببيئة تدعم الحوارات المفتوحة واختبار الأفكار الجديدة أو الآخر الذي يعمل في بيئة تنظيمية غير مرنة إلى الممارسات الثورية بطريقة مغايرة تمامًا.

3. نسبية إطار التطور الشخصي

لا يعد إطار التطور الشخصي مقياسًا شاملاً وحاسمًا، ولا ينتقل الموظف بين حالات التطور باتجاه واحد. فقد يبدأ الفرد في أي نقطة على هذا المقياس ويتجه إلى نقطة أخرى (صعودًا أو نزولاً). كما قد تنطبق على الشخص حالات عدة ضمن هذا المقياس، وذلك حسب المسألة التي يختبرها ونظرته الشخصية لها. فعلى سبيل المثال، قد يعتقد أحد الشغوفين بقضية تغير المناخ أنه متواجد في المرحلة الثورية أثناء محاولته تنفيذ برنامج للحد من كمية النفايات. وقد يرى نفس الشخص أنه في مرحلة الجمود أثناء تطبيق تغييرات في عملية رفع التقارير في الجهات التي يعمل فيها (بينما قد يرى الشخص الذي دفع نحو تغيير عملية رفع التقارير في الجهة أنه في الحالة الثورية، الأمر الذي من شأنه أن يتسبب بخلافات بين الموظفين).

4. إطار التطور قابل للتغيير مع مرور الوقت

يمكن فهم سياق إطار التطور بشكل أكبر بعد الاطلاع على نموذج تيل Teal Paradigm الذي يتطور فيه الموظفون عبر حالات مختلفة ضمن مراحل متعددة. كما أقترح قراءة المقال الذي كتبه جون نايسبت في هذا الصدد، بالإضافة إلى كتاب فريدريك لالوكس “Reinventing Organisations” الصادر عام 2016 للتعرف على الجهات التي تعتمد نموذج تيل Teal.

كتبت هذا المقال ميكي سترايكر تالبوت، رائدة الأعمال الموظفة في بلدية إدمونتون الكندية وإحدى أبرز الكتاب والمساهمين في منصة أبوليتيكال Apolitical.

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتكون أول من يعلم بموعد إطلاق المنصة الجديدة المتكاملة للابتكار في منطقة الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

نظام للنقل المصغر في ساكرامنتو الأمريكية

أطلقت الهيئة الإقليمية للنقل في ساكرامنتو نموذجًا تجريبيًا في عام 2018 لتقديم خدمة “SmaRT Ride” في إطار جهودها الرامية إلى تحسين التنقل وتجربة المستخدم وإمكانية الوصول لوسائل النقل العام.