حاجة الدول لحوكمة مرونتها المُكتشفة حديثًا

كشفت أزمة تفشّي فيروس كورونا خلال الأشهر الماضية عن الثمن الباهظ الذي قد تدفعه الحكومات والشركات وحتى الأفراد نتيجة لاتباعهم منهجيات جامدة وقديمة وغير قابلة للتغيير، لتنشأ حاجة ماسّة للتخلّي عن الممارسات القديمة والتكيّف مع ممارسات ومنهجيات جديدة أكثر مرونة.
كشفت أزمة تفشّي فيروس كورونا خلال الأشهر الماضية عن الثمن الباهظ الذي قد تدفعه الحكومات والشركات وحتى الأفراد نتيجة لاتباعهم منهجيات جامدة وقديمة وغير قابلة للتغيير، لتنشأ حاجة ماسّة للتخلّي عن الممارسات القديمة والتكيّف مع ممارسات ومنهجيات جديدة أكثر مرونة.

شارك هذا المحتوى

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter
Share on email
Share on whatsapp

كشفت أزمة تفشّي فيروس كورونا خلال الأشهر الماضية عن الثمن الباهظ الذي قد تدفعه الحكومات والشركات وحتى الأفراد نتيجة لاتباعهم منهجيات جامدة وقديمة وغير قابلة للتغيير، لتنشأ حاجة ماسّة للتخلّي عن الممارسات القديمة والتكيّف مع ممارسات ومنهجيات جديدة أكثر مرونة. وفي خضم مواجهتها لأزمة عالمية، لجأت الجهات الحكومية عبر مختلف أنحاء العالم إلى تعديل لوائحها التنظيمية وإعادة توظيف بنيتها التحتية وإعادة تعيين الموظفين واعتماد التقنيات المبتكرة بسرعة غير مسبوقة.

إن نجاح الحكومات وازدهارها ما بعد كوفيد-19 يعتمد على تطوير هذا النوع من الاستجابة وإحداث تغيير جذري في الثقافات والممارسات لتشجيع المرونة والقدرة على التكيف والتعلم المستمر. بمعنى آخر، يجب على الحكومات تطوير مفاهيمها وإثراء سمات المرونة والقدرة على مواكبة التغيير.

لتحقيق ذلك، تحتاج الدول إلى توخّي المرونة عند وضع السياسات واتخاذ القرارات ومشاركة الموارد (سواء ضمن الحكومات أو عبر القطاعين الحكومي والخاص والقطاعات غير الربحية)، كما يجب اعتماد هياكل أكثر قابلية للتكيف. وإذا ما أردنا وصف الجهات المرنة، يمكننا القول أنها تلك التي تملك القدرة على تعديل سياساتها واتخاذ القرارات الكفيلة بمواكبة الظروف المتغيرة بسرعة.

لقد منحتنا الأزمة الحالية فرصًا عديدة لرؤية هذا الأمر يُترجم على أرض الواقع. ففي كوريا على سبيل المثال، تم تخفيف معايير التصنيع وسط نقص الحاويات المستخدمة للتخلص من النفايات الطبية وذلك بخفض وقت تفتيش مثل هذه المنتجات إلى النصف. أما في كاليفورنيا، فقد منحت الحكومة شركة Nuro الناشئة إذنًا للبدء باختبار مركبات التوصيل بلا سائق والتي تعِد بنقلة نوعية في مجال التجارة بلا تلامس.

على النقيض من آلية وضع السياسات التقليدية التي غالبًا ما تخفي تحديات كامنة لا تظهر إلا بعد فوات الأوان، فإن هذه الآلية المختصرة سريعة الاستجابة تمكن الحكومات من تلبية الاحتياجات والمتطلبات المتغيرة عبر تحديد التحديات ومعالجتها فور ظهورها. كما تسهم في العديد من الحالات في تمكين صناع السياسات من تفادي التحديات بالاعتماد على أدوات مبتكرة مثل تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي والسيناريوهات وتقنية المحاكاة للتعرف على التحدي قبل وقوعه والتنبؤ بالتطورات واختبار وتجربة استجابات مختلفة.

من الأمثلة على ذلك ما حدث في تايوان عندما اتخذت الحكومة إجراءاتها بسرعة ونجحت في الحد من انتشار وباء كوفيد-19 قبل التأكد من طبيعة الفيروس. بدأت تايوان بمراقبة الرحلات القادمة من يوهان في الصين في أوائل شهر يناير مع ظهور أول إصابة بما عرف لاحقًا بفيروس كورونا المستجد، ومن ثم تم إعداد قاعدة بيانات لتمكين المستشفيات من تقييم خطر الإصابة بناءً على تاريخ السفر في فترة بدء انتشار الفيروس. وفي مثال آخر من المملكة المتحدة، قدمت الهيئة المالية البريطانية في شهر مايو، بعد الإعلان عن الفيروس على أنه وباء عالمي، برنامج حماية رقمي يتيح لشركات القطاع الخاص إمكانية اختبار حلول مختلفة لمواجهة فيروس كورونا مع مراقبة جهودهم من قبل المشرعين.

تعاونت المنظومات الحكومية المنبثقة مع القطاع الخاص لتعويض النقص في التزويد ومساعدة المحتاجين، وهذا جانب آخر من جوانب المرونة. على سبيل المثال، اعتمدت وزارة شؤون المحاربين القدامى الأمريكية على الشركات المعنية بمشاركة الرحلات لنقل الطعام للمحاربين القدامى المقيمين في مناطق منعزلة والمعرضين لخطر كبير، إلى جانب توفير خدمات النقل لمراكز الإيواء وللأشخاص الراغبين بزيارة الطبيب. وبالعودة إلى تايوان، فقد عقدت حكومتها شراكات مع شركات من القطاع الخاص لتسريع إنتاج الكمامات وتنظيم عملية التوزيع وسط النقص الحاد في هذا المنتج.

لجأت حكومات أخرى لإعادة توظيف بنيتها التحتية لمواكبة الظروف مثلما حدث في فرنسا حيث تم تحويل القطارات السريعة إلى سيارات إسعاف واستُخدمت لنقل المرضى المصابين بكوفيد-19 من المناطق التي تعاني من نقص في عدد أسرّة المستشفيات إلى مناطق أخرى. كما حوّلت الهند القطارات إلى أجنحة عزل متنقلة.

الحكومات المرنة هي القادرة على التحرك بسرعة أكبر مقارنة بما هو متعارف عليه في الجهات الحكومية. وبالحديث عن السرعة، نذكر مبادرة المسرعات الحكومية التي أطلقتها دولة الإمارات العربية المتحدة لطرح مفهوم تسريع النتائج وتعزيز الابتكار عبر تنظيم مسابقات وتحديات تشارك فيها “فرق التسريع” من موظفي الخطوط الأمامية وهدفها تحسين حياة الأفراد خلال 100 يوم أو أقل. وحتى الآن، أجرت الإمارات العربية المتحدة ثلاثة من مسابقات المائة يوم بالإضافة إلى ما يقرب من ثلاثين تحديًا شارك فيه حوالي 1200 موظف في القطاعين الحكومي والخاص.

يجب على الحكومة المرنة تطبيق مبدأ المرونة على جميع مواردها، بما في ذلك الموارد البشرية. وهذا يعني الاستعداد لإعادة تعيين الموظفين وتخفيف القوانين المرتبطة بها والتأقلم مع سياسة العمل عن بعد وبشكل عام التخلي عن الطريقة المعتادة لأداء المهام عندما يتعلق الأمر بالكوادر البشرية.

كانت نيويورك من المدن التي قدمت لنا مثالاً على ذلك في شهر مارس مع ارتفاع أعداد المصابين بفيروس كورونا واكتظاظ المستشفيات التي بدأت تستنفذ طاقتها الاستيعابية. جاء ذلك بعد إصدار حاكم المدنية دعوة عامة لموظفي الرعاية الطبية والتي أثمرت عن حشد ما يزيد على 40,000 متطوع من خبراء الرعاية الصحية والطلاب والمتقاعدين الذين لبّوا الدعوة لزيادة القدرة الاستيعابية في المستشفيات المثقلة بالأعداد المتزايدة.

لقد أثبتت لنا أزمة كورونا أن الحكومات قادرة على التأقلم وتعديل لوائحها التنظيمية بسرعة غير مسبوقة، فضلاً عن إعادة توظيف مواردها القائمة ورسم صورة جديدة لأماكن العمل فيها. وسوف تثبت هذه المرونة أنها عنصر لا يُقدر بثمن ما بعد كوفيد-19 وذلك عندما تجد الحكومات نفسها مضطرة للاستمرار بإدارة عملياتها والاستعداد في الوقت نفسه لأزمات مستقبلية. نعم، هناك أزمات مستقبلية وكما هو الحال مع أزمة كورونا فإن التغيير أمر واجب لا مفر منه.

المصادر:

https://www.governing.com/next/The-Need-to-Institutionalize-Governments-Newfound-Agility.html

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتكون أول من يعلم بموعد إطلاق المنصة الجديدة المتكاملة للابتكار في منطقة الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

حاجة الدول لحوكمة مرونتها المُكتشفة حديثًا

كشفت أزمة تفشّي فيروس كورونا خلال الأشهر الماضية عن الثمن الباهظ الذي قد تدفعه الحكومات والشركات وحتى الأفراد نتيجة لاتباعهم منهجيات جامدة وقديمة وغير قابلة للتغيير، لتنشأ حاجة ماسّة للتخلّي عن الممارسات القديمة والتكيّف مع ممارسات ومنهجيات جديدة أكثر مرونة.

عقلية المبتكرين في الحكومة

تشهد الحكومات من مختلف أنحاء العالم دفعة استراتيجية لدعم تطوير واستخدام التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والتعاملات الرقمية والحوسبة الهجينة.