تسخير الواقع المعزز لصالح الحكومات الذكية والمدن الذكية والمجتمع الذكي

وُصف مفهوم الواقع المعزز بأنه التحول الكبير المقبل في عالم الحوسبة الذي يوازي بأثره التغييرات الجذرية التي أحدثتها شبكة الإنترنت والهواتف الذكية في المجال نفسه.
وُصف مفهوم الواقع المعزز بأنه التحول الكبير المقبل في عالم الحوسبة الذي يوازي بأثره التغييرات الجذرية التي أحدثتها شبكة الإنترنت والهواتف الذكية في المجال نفسه.

شارك هذا المحتوى

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter
Share on email
Share on whatsapp

وُصف مفهوم الواقع المعزز بأنه التحول الكبير المقبل في عالم الحوسبة الذي يوازي بأثره التغييرات الجذرية التي أحدثتها شبكة الإنترنت والهواتف الذكية في المجال نفسه. وكانت شركات التكنولوجيا العالمية الرائدة بما في ذلك غوغل ومايكروسوفت وفيسبوك وسناب تشات وأبل في طليعة الشركات التي أحرزت تقدماً كبيراً في تسخير الواقع المعزز الرقمي. فعلى سبيل المثال، قال تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة أبل: “ستحظى نسبة كبيرة من الدول المتقدمة، وبالنهاية جميع الدول، بتجارب معتمدة على الواقع المعزز يوميًا بما يشبه تناول ثلاث وجبات في اليوم”.

يعرّف الواقع المعزز بأنه تفاعل بين مجموعة من العناصر المتداخلة تشمل البيانات والرسومات والمقاطع الصوتية وغيرها من المواد الحسية المعززة الأخرى التي تعتمد على بيئة واقعية وتحصل في الوقت الفعلي، وهذه البيئة هي عالمنا الذي نعيش ونعمل فيه والعالم الذي يتعرف أفراد المجتمع على تفاصيله كل يوم. وتجدر الإشارة هنا إلى الخلط الذي يحصل بين الواقع المعزز والواقع الافتراضي، فالأخير يضع المستخدم في عالم مبتكر غير حقيقي وغير ملموس. وتتسم تجربة الواقع المعزز بأنها بسيطة ولكن قوية ومؤثرة كونها تعتمد على محتوى سياقي وبصري وأحيانًا عاطفي عميق.

كيف سيؤثر هذا التحول الكبير المقبل على الحكومات والحوكمة؟ يعود مفهوم الواقع المعزز إلى فترة التسعينيات، وذلك عندما صاغه باحثون في شركة بوينغ. وقد يجادل كثيرون بأن تقنيات الواقع المعزز ظهرت قبل ذلك بكثير. غير أن نجاح العناصر الرئيسية للواقع المعزز وازدهارها في العصر الرقمي قد بدأ للتو.

البنية التحتية الذكية وإنترنت الأشياء. ساهم تزايد توافر شبكات الإنترنت ونشوء إنترنت الأشياء الذي طال انتظاره في انتشار البنى التحتية الذكية والمتصلة في المدن والدول بوتيرة متسارعة. ويتجلّى ذلك في اعتماد العديد من الخدمات والمرافق مثل الطرق وشبكات الطاقة وأنظمة المياه والمباني والمرافق العامة وشبكات الاتصال والمركبات والمنازل وغيرها على التقنيات الذكية بشكل أكبر يومًا بعد يوم. فقد بلغ عدد الأجهزة المتصلة عام 2016 ما يزيد على 6.4 مليار جهاز، ويتوقع أن يرتفع هذا العدد بمقدار 5 إلى 10 أضعاف خلال أربع أو خمس سنوات قادمة. وستدفع هذه البنى التحتية الذكية والكم الهائل من البيانات الفعلية والمحددة جغرافياً التي تولدها الأدوات التي نستخدمها نحو توظيف الواقع المعزز في القطاع الحكومي. لربما أصبح هذا الأمر محط اهتمام لجميع دول العالم، والدليل على ذلك مبادرات “المدن الذكية” والتحديات التي أطلقها الاتحاد الأوروبي والهند والصين والولايات المتحدة الأمريكية ومؤخرًا كندا (حيث أعلنت كندا عن تحدي المدينة الذكية لعام 2017 بعد إطلاق تحدي المدينة الذكية لعام 2016 في الولايات المتحدة).

البيانات أولًا وأخيرًا. لا يمكن للواقع المعزز تحقيق القيمة والنتيجة المرجوة منه في القطاع الحكومي إلا عندما يكون قائمًا على بيانات حقيقية، سواء كانت هذه البيانات متاحة من خلال مبادرات البيانات الحكومية المفتوحة التي بدأت بالانتشار بشكل كبير أو الشبكات والبنى التحتية القائمة على المستشعرات أو من خلال جمع الكميات الهائلة من البيانات غير المنظمة التي يوفرها يوميًا مستخدمو الهواتف المحمولة والشبكات الرسمية وغير الرسمية الناتجة عن اقتصاد المشاركة وغيرها من مصادر البيانات منظمة كانت أم غير منظمة. ومن خلال الدمج بين البنى التحتية الذكية والبيانات الضخمة والبيانات المفتوحة، يمكن لهيئات القطاع الحكومي بجميع مستوياتها البدء برسم ملامح المدن الذكية والحلول الذكية وحلول المنصات المتصلة التي تثمر عن منح المجتمع الخدمات والتجارب المتكاملة وتمكين الموظفين من العمل في مثل هذه البيئة. وهنا، يمثل الواقع المعزز بوابة مرئية للبيانات في القطاعين الحكومي والخاص مضيفًا قيمة هائلة لآفاق البيانات باعتبارها نوعًا من الموارد والأصول الحكومية الأساسية.

تقنيات الواقع المعزز. بدأت خلال السنوات القليلة الماضية البرمجيات الأساسية للواقع المعزز والأهم من ذلك الأجهزة القادرة على تقديم تجارب الواقع المعزز بالتبلور لتظهر معالمها أخيرًا. وتشمل هذه الأجهزة:

  • الأجهزة المحمولة والمتحركة، وأبرزها الهواتف الخلوية والأجهزة اللوحية وأجهزة العاملين المتحركة المصنوعة لغرض معين.
  • شاشات العرض الرأسية للزجاج الأمامي للمركبات والأقنعة الواقية.
  • شاشات العرض التي يمكن ارتداؤها على الرأس.
  • النظارات والأقنعة الواقية والخوذات.
  • العدسات اللاصقة وأجهزة الشبكية الافتراضية.
  • الشاشات التي تعرض المعلومات المكانية.  
  • غيرها من الأجهزة قيد البحث والتطوير.

التطبيق العملي للواقع المعزز: “رؤية” مستقبل الحكومات

هناك استخدامات كثيرة للواقع الافتراضي في القطاع الحكومي، وكما هو الحال مع أي ابتكار تقني جديد، فإن إمكانات الواقع المعزز تعتمد على مهارة مستخدميه وبراعتهم وحسهم الإبداعي. فيما يلي بعض حالات الاستخدام المحتملة – جزء منها يجري التخطيط له بينما ما زال جزء آخر في مرحلة إثبات المفهوم – التي تقدم لمحة عامة وسريعة حول الفرص والإمكانيات.

الحوكمة الإلكترونية: إشراك الأفراد والخدمات الإلكترونية. تخيّل عالمًا يمكنك فيه الوصول إلى أي نموذج أو طلب حكومي والاطلاع عليه وتعبئته عبر مجموعة من أجهزة الواقع المعزز – الهواتف المحمولة والنظارات الذكية وشاشات المكتب وأجهزة القراءة – مع إمكانية الاستعانة بمجموعة كاملة من وسائل المساعدة (الصوتية والترجمة اللغوية والتعليمات المرئية والمرسومة وغيرها). تخيّل عالمًا يمكن فيه تحويل أسس الحوكمة – بما في ذلك السياسات واللوائح وأطر العمل التنظيمية والوثائق القانونية – إلى وثائق فعلية “حية” يمكنها التفاعل مع الأفراد والمسؤولين عبر الأجهزة المدعومة بتقنيات الواقع المعزز. وتخيّل أيضًا عالمًا يمكن للأفراد والشركات فيه “رؤية” مشاريع الأعمال الحكومية المخطط لها والتفاعل معها عبر أجهزة الواقع المعزز، ومثال ذلك الطرق السريعة ومرافق المياه والطاقة والحدائق العامة وخطوط النقل والمحطات الجديدة وغيرها.

إدارة الأصول والحفاظ عليها. تخيّل أن القوى العاملة في البلديات قادرة على الحفاظ على أصول المدن بكفاءة ودقة – بدءًا من أضواء الشوارع والأبراج الخلوية وصنابير إطفاء الحرائق وصولًا إلى آبار المياه والمخزون المشترك والطرق – وذلك باستخدام شاشات مثبتة على الزجاج الأمامي لمركبات الصيانة والنظارات الذكية والأجهزة المثبتة على قبعات وغيرها من أجهزة الواقع المعزز المحمولة. تخيّل تعزيز تأثير أهم الخبراء والمختصين والمشرفين القادرين على توفير إرشادات فورية وتسخير خبراتهم التقنية لمساعدة الموظفين الميدانيين عن بُعد عبر تقنيات الواقع المعزز سواءً الصوتية والمرئية أو تلك المعتمدة على البيانات وأجهزة الاستشعار.

خدمات الطوارئ والسلامة العامة. تخيّل أن يصبح رجال الإطفاء والمستجيبون الأوائل للكوارث قادرين على التجول باستخدام مركبات طوارئ مزودة بشاشات الواقع المعزز على مستوى الرأس لتوفير إرشادات الطريق وبيانات فورية حول الظروف البيئية والخطرة في المكان، أو بواسطة أجهزة الواقع المعزز التي تمكنهم من رؤية الأشياء وسماع الأصوات مع وجود الدخان والحريق والأنقاض وفي الظروف الجوية السيئة وغير ذلك. تخيّل وجود تطبيقات واقع معزز خاصة بالكوارث تقدم إرشادات مرئية وصوتية للأفراد الذين يبحثون عن ملجأ أو طرق إجلاء أو مساعدة في حالات الطوارئ. تخيّل وجود تطبيقات الواقع المعزز المستندة إلى البيانات في الوقت الفعلي والتي تمكن الشرطة من الوصول إلى معلومات متعلقة بمواقع معينة وبيانات حول إمكانية تعرضهم لمواقف خطرة عبر نظارات ذكية وشاشات داخل المركبة وغيرها من الأجهزة التي يمكن ارتداؤها. كما يمكن للأفراد والشركات الوصول إلى بيانات جغرافية معتمدة حول إحصاءات الجرائم وغيرها من العوامل البيئية وذلك من خلال توجيه هاتفهم الخلوي نحو مبنى أو شارع محدد أو حي بأكمله.

الصحة العامة والرفاه والاستدامة. تخيّل أن يتمكن المفتشون من جميع الاختصاصات، الصحة وسلامة المباني والسلامة العامة وجودة البيئة، من “رؤية” البيانات والمعلومات المتاحة والتفاعل معها بشكل فعلي سواء أكانت بيانات حول مرفق معين أو منطقة زراعية على سبيل المثال أو حي مجاور أو مقاطعة. يمكن للمجتمعات المهتمة بتشجيع أسلوب الحياة الصحي والمستدام لمجتمعها أن تكون متصلة بالمرافق الصحية مثل الحدائق ووسائل الترفيه وأسواق المنتجات الزراعية الطازجة والمزارع. وهكذا، يتسنى للأفراد ممارسة أنشطة مفيدة مثل المشي وركوب الدراجة والتجوّل للتعرف على الموارد التي تقدم خيارات صحية أو خيارات تترك بصمة كربونية متدنية. تخيّل مجموعة من أجهزة الكشف عن جودة البيئة (الهواء والمياه والأرض وغيرها) مزودة بمستشعرات الواقع المعزز التي تمكن موظفي الصحة والبيئة والأفراد من اتخاذ قرارات مدروسة وفورية حول حركة التنقل والأنشطة والاستجابة الفورية.

وسائل النقل والحركة في المدن. تخيّل أن يمكّنك هذا المستقبل المعزز من رؤية أنظمة النقل المتنوعة والاتصال بها “بصريًا”، بدءًا من الطرق السريعة التقليدية والطرق العادية والبنى التحتية لسكك الحديد ووصولًا إلى خدمات التنقل المشتركة عند الطلب والنقل النشط (ومثال ذلك المشي وركوب الدراجة). أما بالنسبة لمشغلي وسائل النقل مثل القطارات والسيارات أو الحافلات المشتركة، فيمكن تزويدها بشاشات عرض مدعومة بتقنية الواقع المعزز لتوفير معلومات مفيدة حول حوادث السير فور وقوعها وجداول النقل وتغييرات المسارات واحتياجات المتعاملين وحاجة المركبة للصيانة وغيرها. تخيّل أيضًا خرائط فعلية مدعومة بتقنيات الواقع المعزز تقدم معلومات حول أنظمة النقل بحيث يمكن للمستخدمين سواء كانوا زوارًا أو مقيمين الاطلاع على شبكة النقل التي ينصح باستخدامها بشكل مرئي أو حتى سمعي. 

الثقافة والتراث والسياحة. تعد حماية التراث والثقافات من أهم الأولويات في مختلف أنحاء العالم. ومن أبرز استخدامات الواقع المعزز تحسين الأماكن وإثرائها مثل المباني التاريخية والقلاع والمعالم الأثرية والمواقع التراثية وغيرها. كما تعد المتاحف والمباني المهمة من الناحية الثقافية خيارات مثالية لتوظيف معلومات الواقع المعزز والمحتوى الغني فيما يتعلق بالأعمال الفنية والتحف والمنشورات الهامة وغيرها. أما الموارد الطبيعية بما فيها الحدائق العامة والسواحل والغابات والمسطحات المائية، فيمكنها توفير تجربة تعليمية غنية إذا ما استُخدمت فيها تقنيات الواقع المعزز. كما يمكنها في الوقت نفسه تشجيع ومراقبة استخدام الموارد الطبيعية بالشكل السليم وحمايتها والحفاظ عليها. ومن الممكن جمع كل هذه الأنشطة من الفنون والثقافة والتاريخ والتراث لابتكار تجارب قائمة على الواقع المعزز يستمتع بها السياح والمقيمين على حد سواء.

إن الأمثلة المذكورة أعلاه حول استخدامات الواقع المعزز في القطاع الحكومي ما هي إلا جزء بسيط من الاستخدامات الممكنة بالفعل والتي بدأت بالظهور مؤخراً. في الختام، يمكننا القول أن الواقع المعزز هو بمثابة رمز للثورة الصناعية الرابعة وحلقة الوصل بين العوالم الحقيقية والرقمية وبالتأكيد بين القطاع الحكومي والخاص. ابقوا على اطلاع على آخر مستجدات الواقع المعزز عالمياً لتتمكنوا قريبًا من “رؤية” مستقبل القطاع الحكومي. 

كتب هذا المقال غريغوري كورتن، المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة الموارد المدنية، الولايات المتحدة

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتكون أول من يعلم بموعد إطلاق المنصة الجديدة المتكاملة للابتكار في منطقة الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

ثورة التكنولوجيا

يتعرض القطاع الحكومي اليوم، حول العالم، لضغوطات غير مسبوقة لتحقيق التحول الرقمي وذلك ليتمكن من تقديم خدمات أكثر، بجودة أفضل مع خفض التكاليف من خلال تسخير قوة التكنولوجيا. ومع تغير طبيعة السلع والخدمات المقدمة لتصبح أكثر ذكاءً وكفاءة وتوافقاً مع حاجات الفرد، يرتفع سقف توقعات الأفراد من حكوماتهم. يستعرض تقرير ثورة التكنولوجيا مجموعة من الابتكارات العالمية التي توضح المجالات التي نجحت فيها الحكومات باستخدام التكنولوجيا ودورها في تحقيق الكفاءة وتقديم خدمات أفضل لأفراد المجتمع.

حاجة الدول لحوكمة مرونتها المُكتشفة حديثًا

كشفت أزمة تفشّي فيروس كورونا خلال الأشهر الماضية عن الثمن الباهظ الذي قد تدفعه الحكومات والشركات وحتى الأفراد نتيجة لاتباعهم منهجيات جامدة وقديمة وغير قابلة للتغيير، لتنشأ حاجة ماسّة للتخلّي عن الممارسات القديمة والتكيّف مع ممارسات ومنهجيات جديدة أكثر مرونة.