الحكومة 5.0: مستقبل الخدمات الحكومية

لنعد بالزمن خمسة عشر عامًا إلى لعام 2006 تحديدًا، فهو العام الذي شهد ظهور التفكير التصميمي كتوجهٍ جديد وكان مشروع "المحفظة" أحد المشاريع التي طُورت في إطار هذا الاتجاه.
لنعد بالزمن خمسة عشر عامًا إلى لعام 2006 تحديدًا، فهو العام الذي شهد ظهور التفكير التصميمي كتوجهٍ جديد وكان مشروع "المحفظة" أحد المشاريع التي طُورت في إطار هذا الاتجاه.

شارك هذا المحتوى

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter
Share on email
Share on whatsapp

لنعد بالزمن خمسة عشر عامًا إلى لعام 2006 تحديدًا، فهو العام الذي شهد ظهور التفكير التصميمي كتوجهٍ جديد وكان مشروع “المحفظة” أحد المشاريع التي طُورت في إطار هذا الاتجاه. فقد تعرف المشاركون بالورشة على الجوانب العملية للتفكير التصميمي من خلال تصور أساليب جديدة لحمل البطاقات والنقود وبطاقات الهوية الشخصية.

ولكن إن حاولت أن تطبق التمرين نفسه عام 2020 سيشعر المشاركون بالارتباك، فالكثير منا لا يحملون أي بطاقات أو نقود الآن لأن العالم قد تجاوز تلك المرحلة. إلا إن كنت تقيم في الولايات المتحدة، حيث ينبغي عليك تقديم إكراميات نقدية لكل من يعمل في وظيفة في مجال الخدمات. أنت لست بحاجة للنقود، إذ يمكنك الدفع مقابل وجبة الغداء وشراء تذاكر لركوب الحافلة، أو محفظة إن أردت، بمجرد تمرير هاتفك أو ساعتك أمام بوابة ما.

لقد اندثر زمن النقود والبطاقات ولكن يبقى في محفظتنا شيء واحد نحتاجه جميعًا ألا وهو بطاقة الهوية. فما زال عليك أن تحمل رخصتك البلاستيكية أو الورقية عند قيادة مركبة باستثناء بعض الدول وما زلت تحتاج إلى وثيقة فعلية لعبور حدود دولة ما.

يعتبر تمرين “المحفظة” اختبارًا يحدد مدى ابتكار الحكومة، فقد بدأ العالم خارج حدود القطاع الحكومي بمرحلة جديدة وحقق تحولاً رقمياً بالكامل. بينما يُعد الجمود في الابتكار الحكومي السبب الكامن وراء استمرار حاجتنا لاستخدام المحافظ الجلدية.

لكن الأمر المبشر أن الكثير من الحكومات حول العالم تدرك هذه الفجوة الرقمية. إذ تغير اتجاه النقاشات حول الابتكار ومستقبل الخدمات من اكتشاف الفرص والإمكانيات إلى ضمان عدم تأخر القطاع الحكومي عن الركب وبقائه حبيس القرن العشرين بسبب عجزه عن خدمة أفراد القرن الحادي والعشرين.

مراحل التطور الخمس

تتمثل إحدى التحديات التي تواجه التحول الرقمي للقطاع الحكومي في غياب الأسس والنقاط المرجعية الواضحة. فهناك الكثير من النماذج التي تحدد مدى نضج التقنيات، إلا أنه ليس هناك إطار معتمد لتقييم مدى نضج الخدمات الحكومية في العصر الرقمي. لذلك، طور مركز الاقتصاد الرقمي في أستراليا التابع لجامعة كوينزلاند للتقنية الإطار التالي الذي يساهم في تحديد المسارات المحتملة للخدمات الحكومية. كما ينظر الإطار في أنماط التطور الشائعة للخدمات الحكومية.

  1. بداية التشكل

تقدم مرحلة الحكومة 1.0 خدمات جديدة منفصلة تأتي بعد ظهور حاجة اجتماعية محددة ناتجة عن توجهات اجتماعية أو تجارية أو رقمية. فعلى سبيل المثال، أطلق بنك الاحتياطي الهندي في أوائل عام 2019 خدمة مراقبة الدفعات الرقمية استجابةً للنمو الهائل في أعداد التعاملات غير النقدية في الهند إثر تطوير واجهة موحدة للدفع. ففي هذه المرحلة من التطور، يدرك مزودو الخدمات الحكومية ميزة الخدمات التي بإمكانهم تقديمها ويبدؤون بالتركيز على توفير الوصول المتسق لها.

ورغم طبيعتها الانتقائية، تمهد هذه الخدمات المنفصلة الطريق أمام قيمة مقترحة جديدة في القطاع الحكومي. إذ تؤدي فرق الخدمات دورًا هامًا في إطلاق الخدمات الجديدة مع التركيز على إتاحة الوصول إليها عبر قنوات عدة وتقديم تجربة ذات جودة عالية لمستخدمي الخدمة.

  • توسيع النطاق

في مرحلة الحكومة 2.0، يتحول التركيز نحو إنشاء منظومة من الشركاء لزيادة حجم الخدمات المقدمة ومدى تنوعها مما يسمح للقطاع الحكومي بالوصول لأعداد أكبر من المستخدمين وتوفير التكاليف. قد يستلزم ذلك التعاون مع جهات أخرى لتقديم الخدمات بشكل مشترك أو تطوير النماذج الداخلية لتقديم الخدمات. تقدم استراتيجية بريزبن الرقمية 2.0 أمثلة على توسيع القطاع الحكومي لنطاق الخدمات المقدمة الذي لا يتحقق عبر إقامة الشراكات الهادفة لتقديم الخدمات فحسب وإنما بتقلُد الحكومة لدور الناشط والميسر والممول والمزود (Brisbane Marketing، 2017). وبينما لا تستفيد بعض فئات المجتمع من الخدمات الحكومية في المرحلة 1.0، تهتم مرحلة الحكومة 2.0 بتحقيق التكافؤ الذي يؤدي إلى تصميم أشكال إضافية من الخدمات لإتاحتها لفئات لم تحظَ بخدمات كافية في السابق.

يتطلب التوسيع الفعال لنطاق الخدمات سواء من ناحية الحجم أو التنوع التركيز على سلسلة القيمة والاهتمام المتواصل بالتجربة التي تقدمها الخدمات. ويبقى دور مصممي الخدمات هامًا وحاسمًا في هذه المرحلة للتأكد من تنويع الخدمات بينما يساهم المسؤولون التشغيليون في تمكين زيادة حجم الخدمات.

  • الأتمتة

عند وصول حجم ومدى تنوع الخدمات المقدمة لمستويات مرضية، يتحول التركيز إلى كفاءة عملية إيصال الخدمات. وهكذا يصبح النموذج التشغيلي مصب التركيز ويتّجه الاهتمام نحو تحقيق مكاسب الكفاءة المرجوة بما يتيح المجال للتخصيص الفعّال للأموال الحكومية. وتصبح القدرة على تقديم الخدمات ضمن تكلفة “معقولة” مؤشرًا من مؤشرات الأداء الرئيسية في هذه المرحلة من التطور. وعلى صعيد آخر، تصب مرحلة الحكومة 3.0 تركيزها على أتمتة أنشطتها لتحقيق مكاسب متعلقة بالإنتاجية وتحسين الفعالية وتقليل التكاليف وتقليص المخلفات. وقد يتسبب ذلك بالحد من تقديم بعض الخدمات التي طُرحت في مرحلة الحكومة 2.0 لاعتبارات اقتصادية بحتة.

ويعتبر ضمان كفاءة إيصال الخدمات ضمن مهام المسؤولين التشغيليين، إذ تسعى الحكومة 3.0 إلى التقديم الفعال والسلس للخدمات بما يحقق تطلعاتها. بينما تصبح تكلفة الخدمات المعتدلة وكفاءتها المرتفعة اعتبارات استراتيجية في المرحلة الثالثة من التطور.

  • الرقمنة

ترتبط المرحلة الرابعة بالرقمنة التي تتجاوز مجرد الأتمتة (أي التحول الرقمي لبعض الأنشطة الحكومية) وتمتد لتشمل استكشاف نماذج أعمال جديدة بالكامل وأنواع جديدة من إشراك المتعاملين.

في مرحلة الحكومة 4.0 ينصب تركيز الجهات على نماذج أعمالها سعيًا منها لجذب المتعاملين. وبما أن “القيمة المقترحة” تعد مكونًا أساسيًا في النموذج التشغيلي، تقدم مبادرات مرحلة الحكومة 4.0 قيمًا مقترحة جديدة وفريدة من نوعها للأفراد. ولا يمكن للقيم المقترحة الجديدة أن تتحقق لولا التحسينات التي شهدتها خلال مرحلتي الحكومة 2.0 والحكومة 3.0. فيما يترتب على القيم المقترحة الجديدة نماذج أعمال مختلفة تميز هذه المرحلة وتنتقل مسؤولية إيصال وتقديم الخدمات من أقسام منفصلة إلى جهات منظِمة على مستوى الحكومة بأكملها. أما الفرق الاستراتيجي الجديد في مرحلة الحكومة 4.0 فهو اتصال وارتباط الخدمات ببعضها بعضًا.

في المرحلة الخامسة من التطور، يتولد الوعي حيال الدور الجوهري الذي يلعبه المجتمع لينقلب النموذج التشغيلي للحكومة رأسًا على عقب وتتغير العقلية السائدة في الحكومة من “إدارة علاقات الأفراد” إلى “العلاقات التي يديرها الأفراد”. وتستند هذه المنهجية إلى مستويات أعلى من المشاركة المجتمعية وتتطلب تحولًا في مهارات قطاع الخدمات الحكومية نحو المرونة والابتكار المشترك والمشاريع المشتركة.

تتجاوز مرحلة الحكومة 5.0 الخدمات المتمحورة حول المجتمع أو المنهجيات التي تنفذ على مستوى الحكومة ككل في مجال تقديم الخدمات، لتصل إلى تقديم الخدمات للأفراد في جميع مراحل حياتهم. لذا ينصب تركيزها على فهم الفرد من وجهة نظر شمولية وليس من وجهة نظر حكومية. ولتحقيق ذلك، يسعى مزودو الخدمات الحكومية لترسيخ مكانتهم في حياة المتعاملين وليس العكس.

يتمثل التوجه الاستراتيجي الجديد في مرحلة الحكومة 5.0 في مبدأ الملاءمة الذي يتجسد من خلال ضمان رفاه المتعاملين وسلاسة التعاملات مع القطاع الحكومي. إذ يطرح مبدأ الملاءمة في مجال التفكير التصميمي أسئلة استراتيجية على النسق التالي: هل سيلبي الحل المقترح حاجات الأفراد ويتناسب مع أسلوب حياتهم وهل سيجذبهم وهل سيرغبون باستخدامه؟

لا يمكن لجهات حكومية منفصلة الوصول إلى مرحلة الحكومة 5.0 لأنها مرحلة تنتج عن توحيد جهود جميع الإدارات والجهات الحكومية. فمن المهم تشكيل فرق مكونة من إدارات حكومية مختلفة وإقامة الشراكات مع شركاء آخرين في المنظومة. إذ سيبتعد اهتمام الشركاء في المنظومة عن مجرد تقديم الخدمات نحو الحفاظ على علاقة مع المجتمع تمتد على مدار حياتهم، حيث يصبح تدّخل الحكومة وضعًا استثنائيًا وليس اعتياديًا.

الخلاصة

لم ينجم الاختفاء التدريجي للنقود والبطاقات من حياتنا عن جهود جهة أو مجموعة جهات في سبيل تحقيق التغيير، بل هو نتيجة لاجتماع تغيرات عدة تتمثل في التقنيات الجديدة (مثل تقنية تحديد الهوية بموجات الراديو) ونماذج الأعمال الجديدة (كالتعاملات المصغرة وعمليات الشراء داخل التطبيقات) والتوقعات الاجتماعية المستجدة (كالدفع غير المباشر عند استخدام خدمات التنقل المشترك). ورغم أن جميع هذه الاتجاهات قد ظهرت في أواخر التسعينيات، إلا أن التوسيع الضخم لنطاقها الذي حصل في السنوات الماضية هو ما حوّلها إلى اتجاهات شائعة. والأمر ذاته ينطبق على مستقبل الخدمات الحكومية الذي نرى ملامحه ترتسم أمامنا الآن ولكنه بحاجة إلى التوزيع المتكافئ وتوسيع لنطاق استخداماته. وإلا ستبقى الخدمات الحكومية الجانب الأوحد من حياتنا الذي يبقينا عالقين في الماضي، كبطاقات الهوية الشخصية الموجودة في محافظنا.

المصدر: Helvetas Mosaic. https://www.helvetas.org/en/eastern-europe/about-us/follow-us/helvetas-mosaic/article/March2020/Government-5.0-Future-of-Public-Services

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتكون أول من يعلم بموعد إطلاق المنصة الجديدة المتكاملة للابتكار في منطقة الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

نظام للنقل المصغر في ساكرامنتو الأمريكية

أطلقت الهيئة الإقليمية للنقل في ساكرامنتو نموذجًا تجريبيًا في عام 2018 لتقديم خدمة “SmaRT Ride” في إطار جهودها الرامية إلى تحسين التنقل وتجربة المستخدم وإمكانية الوصول لوسائل النقل العام.