الحكومة تتقلد دور المستثمر

يعتبر دور الحماية أقدم وأبسط دور تقلدته الحكومات فهي تحمي أمن الفرد من أي عنف قد يتعرض له.
يعتبر دور الحماية أقدم وأبسط دور تقلدته الحكومات فهي تحمي أمن الفرد من أي عنف قد يتعرض له.

شارك هذا المحتوى

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter
Share on email
Share on whatsapp

يعتبر دور الحماية أقدم وأبسط دور تقلدته الحكومات فهي تحمي أمن الفرد من أي عنف قد يتعرض له. ويصف كتاب “Leviathan” لمؤلفه توماس هوبز العالم الذي تغيب فيه حكومة تحفظ أمن القانون والنظام العام وتحمي الأفراد من بعضهم البعض ومن الأعداء الخارجيين بعالم ينعدم فيه الأمن والأمان. وتتجلى تداعيات غياب الحكومة أو تضاؤل دورها في العديد من دول العالم الهشة والمناطق الخارجة عن سيطرة الحكومات. وبالطبع، عند تفاقم الفوضى نتيجة للحروب والاضطرابات.

لتؤدي الحكومة دورها في حماية الدولة فهي بحاجة لفرض ضرائب لتمويل وتدريب الجيوش وقوى الشرطة وبناء المحاكم والسجون وانتخاب أو تعيين الأفراد المسؤولين عن صياغة وإنفاذ القوانين التي يجب على المجتمع الالتزام بها. وفيما يتعلق بالتحديات الخارجية، يجب أن تكون الحكومة الحامية قادرة على التعامل مع الحكومات الأخرى ومحاربتها عند الحاجة. وتظهر هذه الصورة البسيطة للحكومة بوضوح في الأيام الأولى للجمهورية الأمريكية التي تألفت من الرئيس والكونغرس والمحكمة العليا ووزارات الخزنة والحرب والخارجية والعدل.

يأتي بعد ذلك دور الحكومة كمُزود للخدمات الذي يتطلب منها توفير المنافع والخدمات التي لا يمكن للأفراد تأمينها بأنفسهم. وتُجسد الحكومات بهذا المفهوم حلًا فاعلًا لتحديات العمل الجماعي والأداة التي يستعين بها الأفراد لتقديم السلع العامة التي تعود بالنفع على الجميع والتي تواجه في الوقت نفسه تحدي “المنتفعين بالمجان”. وتندرج البنية التحتية الاقتصادية الأساسية للاتصال البشري تحت الفئة التالية: وسائل التنقل مثل الطرق والجسور والموانئ بجميع أنواعها، وبشكل متزايد وسائل التنقل الافتراضي مثل تقنيات النطاق العريض “البرودباند”. تتوفر جميع هذه البنى التحتية بالعادة على يد رواد أعمال من القطاع الخاص ممن يقتنصون الفرص المتاحة كبناء طريق ما ومن ثم فرض رسوم على مستخدميه، ونظرًا إلى الحجم الضخم لرأس المال المطلوب ووجود مصلحة عامة واضحة جدًا تتولى الحكومة زمام الأمور في نهاية المطاف.

هناك نطاق أوسع لمفهوم الحكومة كمُزود ومقدم خدمات وهو دولة الرعاية الاجتماعية. تقوم الحكومة هنا بدعم الأفراد والتخفيف من عجزهم عن إعالة نفسهم خصوصًا الفئات الضعيفة كالشباب وكبار السن والمرضى وأصحاب الهمم والعاطلين عن العمل بسبب تحديات اقتصادية خارجة عن إرادتهم. ومع تطور دولة الرعاية الاجتماعية، بدأ نقادها ينظرون إليها كدولة حامية من التبعات القاسية للرأسمالية أو كوسيلة لحماية الأثرياء من غضب المحرومين. غير أنه في أفضل حالاتها، توفر دولة الرعاية الاجتماعية بنية تحتية للرعاية لتمكين الأفراد من التطور والازدهار على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي بالطريقة ذاتها التي تتيحها المنافسة. كما تمنح المجتمع أمانًا اجتماعيًا يمّكنهم من تحقيق أمنهم الاقتصادي.

يستند مستقبل الحكومات إلى هذه الأسس القائمة على دور الحامي والمُزود. وستواصل الحكومات حماية مجتمعاتها من العنف ومن تحديات الحياة وتقلباتها، كما ستستمر بتزويدهم بالمنافع العامة بالمستوى اللازم الذي يضمن الوصول إلى اقتصاد قادر على المنافسة على الصعيد العالمي ومجتمع يعمل بشكل جيد. ولكن، ستكون الحكومة حريصة على الاستثمار في قدرات الأفراد كلما أمكن ذلك لتمكينهم من إعالة نفسهم في ظل الظروف المتغيرة بوتيرة سريعة ومستمرة. 

ليس من المستغرب أن تنبع هذه النظرة إلى الحكومة كمستثمر من ثقافة تقوم على ريادة الأعمال. أجرى الصحفي المختص بالتكنولوجيا غريغوري فيرينستاين استطلاعًا للرأي شمل رواد أعمال بارزين من وادي السيليكون وخلُص إلى أنهم “يريدون من الحكومة أن تستثمر بقدرات الأفراد، بدلًا من حمايتهم من الرأسمالية. فهم يريدون من الحكومة أن تمول قطاع التعليم وتشجع المواطنة الفاعلة بشكل أكبر وتسعى إلى عقد تحالفات تجارية دولية ملزمة وفتح الحدود أمام جميع المهاجرين”. على حد تعبير رئيس شركة ألفابيت، إيريك شميدت، فإن “المزيج بين الابتكار والتمكين والإبداع سيكون الحل بالنسبة لنا”. يتناقض هذا التقدير للقدرات البشرية مع النظرة التشاؤمية الشائعة حول قدرة الحكومات على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والديمغرافية والبيئية على مستوى العالم. وفي جميع الأحوال، فإن تطبيق هذا المفهوم بشكل عملي واتخاذ الحكومة دور المستثمر سيتطلب أكثر من مجرد تمويل المدراس وفتح الحدود. وإذا كان للحكومة أن تفترض أن بإمكان الأفراد مواجهة تحدياتهم بأنفسهم بفعالية وكفاءة أكبر من الحكومة، فسيكون عليها الاستثمار ليس فقط في إثراء قدراتهم، وإنما أيضًا في توفير المصادر والبنى التحتية التي تمكنهم من تحقيق النجاح على نطاق واسع.

لا شك أن أهم أولوية يجب أن تهتم بها الحكومة ضمن دورها كمستثمر هي التعليم، ونقصد بذلك التعليم المستمر من المهد إلى اللحد. تعتبر السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل هامة للغاية حيث أن نمو الدماغ في هذه السنوات يحدد مدى قدرته على التعلم وفهم ما يتعلمه والاستفادة منه طوال حياته. وعليه، يجب على الحكومة الاستثمار في البنية التحتية الكاملة لتنمية الأطفال بدءًا من الحمل ووصولًا إلى بدء سنوات الدراسة الرسمية، بما في ذلك تغذية الطفل وصحته ودروس التربية والزيارات المنزلية وبرامج التعلم المبكر المناسبة للنمو والتطور. وفي سنوات المراهقة، تحصل مرحلة أخرى من نمو الدماغ تستلزم برامج تدريبية وإرشادية ودعمًا خاصًا من العائلة.

فلن يحقق الاستثمار في التعليم أي نجاح إذا كان موجهًا لعقول غير قادرة على تلقي واستيعاب العلم الذي يقدم لها. علاوةً على ذلك، يجب تزويد الأفراد طوال حياتهم بفرص قيمة للتعلم المستمر لا سيما مع تغير طبيعة الوظائف بسرعة وتسارع وتيرة اكتساب المعارف. 

مع ذلك، لا يمكن حتى للأفراد المتعلمين تحقيق إمكاناتهم الكاملة كمفكرين مبدعين إلا إذ حصلوا على الموارد اللازمة. يتحدث أخصائيو استشراف المستقبل ومستشارو الأعمال جون هيغل وجون سيلي براون ولانغ دافيسون في كتابهم “The Power of Pull” أن الشركات الناجحة لم تعد تُصمم منتجًا يلبي مواصفات محددة وتحفز المتعامل على استخدامه، بل أصبحت تمنح هذا المتعامل منصة يمكنه من خلالها إيجاد ما يحتاجه والتواصل مع الأطراف اللازمة لتحقيق النجاح. وإذا رغبت الحكومة فعلًا بالاستثمار في مواهب الأفراد، سيكون عليها توفير مثل هذا “المنتج” بالتحديد، ألا وهو المنصات التي تتيح للأفراد إمكانية التسوق بذكاء وفعالية بدءًا من التأمين الصحي وصولًا إلى فرص التعليم وتصاريح العمل وشركاء الأعمال المحتملين. لا يمكن لهذه المنصات أن تكون مجرد مخزن لعدد ضخم من البيانات، بل يجب تنظيمها وتصميمها وتحديها باستمرار لمنح المتعامل أو الفرد تجربة ناجحة ومثمرة.

وأخيرًا، يجب على الحكومة كمستثمر أن تجد الطريقة المناسبة لمواجهة المشاريع الضخمة. يتمحور النهج الطبيعي للمشاريع الرأسمالية الاستثمارية حول توقع فشل تسعة مشاريع ونجاح مشروع واحد فقط. ولكن، الأمر يختلف بالنسبة للحكومة لأن المبادرات الصغيرة التي تستقطب عددًا أكبر من الأفراد وتعزز إنتاجيتهم أفضل من مبادرات كبيرة بعدد أقل. فعلى سبيل المثال، وجود مطاعم عائلية صغيرة في عدة مدن أفضل من بعض المطاعم التابعة للسلاسل الضخمة المنتشرة في أنحاء البلاد. من خلال المزج بين جميع المنهجيات، ستتمكن المشاريع التي يؤسسها الأفراد من نسج شبكة من الجهات الاقتصادية الوطنية وجزء لا يستهان به من شبكة الأمان الاجتماعي. ولكن، في هذه الحالة تتولى الحكومة مهمة النسج والتنسيق بين جميع الأطراف.

تعتبر الرؤية التي تؤمن فيها الحكومة بمواهب مجتمعاتها وقدراتهم وتُكرس نسبة كبيرة من إيراداتها الضريبية للاستثمار فيهم ومساعدتهم على تحقيقها رؤية تثير الاهتمام. وبذلك تتجنب الحكومة الإجراءات الحكومية البطيئة والبيروقراطية التي تنطوي عليها أنشطة تقديم الخدمات، بالرغم من قدرة بعض الوحدات الحكومية النشطة على التنافس. كما تعترف هذه الحكومة بأن الأفراد أسرع وأكثر ابتكارًا في الاستجابة للتغيير والخروج بحلول جديدة. ولكن، يجب أن تراعي الاستثمارات الحكومية الاحتياجات المتغيرة للأفراد في كافة مراحل حياتهم وتمنحهم منصات تساعدهم على الحصول على الموارد والتواصل حسب حاجتهم ومشاهدة مجموعة متكاملة من السلع العامة تتشكل أمامهم وتنبثق من أدوارهم المتنوعة والمتعددة.

كتبت هذا المقال آن ماري سلوتر، الرئيسة والمديرة التنفيذية لنيو أميركا، الولايات المتحدة الأمريكية

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتكون أول من يعلم بموعد إطلاق المنصة الجديدة المتكاملة للابتكار في منطقة الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة