الحكومة تتقلد دور المبتكر

ينبغي بالحكومة استعادة دور المبتكر الذي كان موكلًا لها في السابق.
ينبغي بالحكومة استعادة دور المبتكر الذي كان موكلًا لها في السابق.

شارك هذا المحتوى

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter
Share on email
Share on whatsapp

ينبغي بالحكومة استعادة دور المبتكر الذي كان موكلًا لها في السابق. وغالبًا ما يُقال أن الحكومة غير قادرة على الابتكار، لأن المسؤولين الحكوميين لا يشعرون بحافز للابتكار لعدم حصولهم على أرباح. ترسخت هذه الفكرة في الثمانينيات، لتغذي عقدين من النفور تجاه الحكومة. ولكن عندما ننظر إلى التاريخ الرقمي للحكومة، نجد أنها قامت بدور قيادي في تطوير تكنولوجيا الحاسوب ورقمنة العمليات وإنشاء نظم معلومات واسعة النطاق في الستينيات. ولم تبدأ الحكومات بالتأخر عن مواكبة الشركات من حيث الابتكار في التقنيات الرقمية إلا في فترة الثمانينيات. وتحدثت ماريانا مازوكاتو في كتابها “Entrepreneurial State” عن تلاشي دور 12 حكومة متعاقبة في العديد من الابتكارات التي يقوم عليها مجتمعنا الرقمي اليوم بدءًا من شبكة الإنترنت ووصولًا إلى نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والأيفون.   

مجتمع المنصات

نحن نعيش في “مجتمع منصات” نقضي فيه نسبة متزايدة من وقتنا على المنصات الرقمية وخصوصًا التي تقدمها شركات غوغل وأبل ومايكروسوفت ومنصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب ومنصات التسوق مثل أمازون وإي باي (eBay)، ناهيك عن المنصات الأحدث النابعة من اقتصاد المشاركة ومنها أوبر وAirbnb. تركز جميع هذه المنصات على قضاء المستخدمين أطول وقت فيها وبالتالي تقديم المزيد من البيانات التي ستستخدم في تطوير الخدمات المقدمة مما ينتج عنه قضاء المستخدمين لوقت أطول، وهكذا تتشكل لدينا دائرة معلوماتية حول الاستخدام وتوليد البيانات والابتكار. كما يمارس مجتمع المنصات مجموعة من الضغوطات على الحكومة لكي تبتكر باستخدام التقنيات الرقمية والبيانات.

وقعت الضغوطات الأكثر وضوحًا على الابتكار في عقد التقشف والاقتطاعات الذي عاشه العالم عقب الأزمة المالية عام 2008، والذي دفع الحكومات لإنجاز المزيد من الأعمال بمقابل أقل باستخدام التكنولوجيا وتقديم البرامج الرقمية التي تصبح وجهة المجتمع الأولى لسهولة الوصول إليها بدلًا من المنهجيات متعددة القنوات وعالية التكلفة. وتأتي ضغوطات أخرى من بيانات التعامل الضخمة التي يولدها مجتمع المنصات والحكومة الرقمية نفسها والتي من الممكن استخدامها للتوصل إلى السياسات المبتكرة، كالسياسات التنبؤية أو الاحتمالية المطبقة حاليًا في قطاع التعليم والشرطة أو بطاقات التنقل الذكية في المدن الضخمة التي تولد كمًا هائلًا وغير مسبوق من البيانات المفصلة حول الرحلات والأفراد مع إمكانية إحداث نقلة كبيرة في تصميم أنظمة النقل.

كي نقول أن هذا المجتمع مجتمع رقمي، يجب أن تكون آليات تنظيمه وعمله رقمية أيضًا. لنأخذ مثال سيارات الأجرة التي تخضع لآليات تنظيم شديدة في أغلب المدن ولكن تأتي منصة أوبر القائمة على البيانات لتفرض تحديًا ضخمًا أمام النماذج التنظيمية التقليدية. وبالمثل، فإن تعامل الفرد الرقمي مع منصات أخرى يعني ارتفاع سقف توقعاته تجاه القدرة على التواصل الرقمي مع الحكومة، فهو لا يتوقع كتابة شيك أو تعبئة نموذج ما (بالرغم من أنهم سيضطرون لفعل ذلك)، وقد لا يتوقع أيضًا أن يكون قادرًا على الاتصال بالحكومة (تمامًا كما لا يفكر بالاتصال بأمازون مثلًا).

وأخيرًا، يجب على الحكومة الابتكار لمواجهة التحديات المستجدة التي يفرضها مجتمع المنصات على توفير الخدمات العامة كالأمن والرعاية الصحية . حيث تجبر الجرائم السيبرانية والتطرف والراديكالية عبر الإنترنت خدمات الأمن والاستخبارات على إعادة ابتكار أعمالها وآلياتها.

الحكومة كمنصة للابتكار؟

تدفع كل هذه الضغوطات التي يفرضها مجتمع واقتصاد المنصات الحكومة لتكون أكثر ابتكارًا. فهل ترقى الحكومة لمستوى هذا التحدي؟ يجب على الحكومة التطور لتصبح منصة بحد ذاتها كما اقترح الكاتب الأمريكي تيم أورايلي في نموذجه “الحكومة كمنصة”. ويقول أورايلي أنه خلال دراسة تاريخ قطاع الحواسيب، سنجد أن الابتكارات التي ترسم ملامح كل حقبة هي نفسها أطر العمل التي دعمت منظومة المشاركة المتكاملة بدءًا من الحاسوب الشخصي ومرورًا بشبكة الإنترنت ووصولًا إلى الأيفون. وعليه، يجب أن تتمحور جهود الحكومة حول التحول إلى منصة مفتوحة تتيح إمكانية الابتكار لأطراف ضمنها وخارجها. كما طرح أورايلي سبعة مبادئ للتفكير القائم على المنصات في الحكومة وهي: المعايير المفتوحة والالتزام بالبساطة والتصاميم التي تتيح المشاركة واجراء التجارب واستخراج البيانات والتعلم من المخترقين (الهاكرز) والقيادة بالقدوة.

وتعتبر المملكة المتحدة من الدول التي أبدت حماسًا كبيرًا لتحقيق حلم “الحكومة كمنصة” فقد ظهر ذلك جليًا عندما ورد النموذج في مراجعة الإنفاق الحكومي التي قدمها وزير المالية آنذاك جورج أوزبورن في خريف عام 2015. بعد ذلك عُين رئيس لنموذج “الحكومة كمنصة” في خدمة الحكومة الرقمية وهي الهيئة الرئيسية للحكومة الرقمية. وتهدف هذه المنهجية إلى إنشاء سلسلة من المنصات التي يمكن تضمينها في خدمات أي هيئة حكومية ومثال ذلك “Verify” وهو نظام فيدرالي لتحديد الهوية و Gov.UK Pay لتسديد الدفعات المستحقة للحكومة و”Notify” الذي يعرف الأفراد على حالة طلباتهم أو قضاياهم.

يكمن التحدي في الفرق الشاسع بين مشهد البيانات ومنصات عملاقة مثل أمازون أو غوغل. إذ تقف قواعد البيانات القديمة الخاصة بالإدارات الكبرى وغير المتوافقة مع بعضها ضد أي نوع من تبادل البيانات أو التصميم القائم على البيانات لا سيّما في ظل عدم وجود معرف شخصي موحد للأفراد طوال حياتهم لتحدد هوية الفرد بآليات مختلفة تتبعها إدارات مختلفة ولغايات متنوعة. وتبدو خطة إصلاح سجلات الحكومة واعدة، إذ تدعو هذه الخطة إلى حفظ البيانات في إدارة ما مرة واحدة وبطريقة مؤتمتة بحيث تتحمل هذه الإدارة المسؤولية الحصرية عن هذه البيانات ولا تزال هذه الخطة في مراحلها الأولية. لذلك، يبدو أن ابتكار الخدمات القائم على البيانات أو النموذج التنظيمي القائم على “مركز تقديم الخدمات الذكي” المفضل لدى التجار بعيد المنال في المملكة المتحدة كما في دول أخرى.

لربما نجحت إستونيا، هذه الدولة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 1.2 مليون نسمة في منح الأمل بتحقيق فكرة الحكومة كمنصة للابتكار. إذ تقوم الحكومة الرقمية الإستونية على مكونين رئيسيين، الأول eID وهو عبارة عن نظام تحديد هوية آمن يعتمد على معرف شخصي بتقنية PKI للتوثيق والتي تكون موجودة على بطاقة الهوية أو رمز الهوية الرقمية. أما المكون الثاني فهو X-Road وهو عبارة عن نظام اتصال آمن بين سلسلة من السجلات التي تحتوي على بيانات موزعة، بحيث يمكن لإدارة أو هيئة واحدة فقط التحكم بأي جزء من هذه البيانات ويمكن للأفراد الاطلاع على بياناتهم المخزنة لدى الحكومة ومعرفة هوية من اطلع عليها وغايته. يتيح هذان المكونان إمكانية إضافة مكون آخر يمكّن الإدارات من تطوير خدماتها حسب ما تراه مناسبًا شرط أن تبقى مدمجة في نظام X-Road.

بالرغم من عدم اتباع نموذج “الحكومة كمنصة” بصورة واضحة في استونيا، إلا أن نظامي X-Road وeID يجسدان منصة الابتكار التي تحدث عنها أورايلي، حيث يتسنّى للإدارات والهيئات والبنوك والمؤسسات وشركات الهاتف المتحرك تطوير خدماتها الرقمية بموجب هذين المكونين. ولا يمكن القول بأنها منظومة قائمة على البيانات وصنع السياسات، إلا أن الاحتمالات واردة. والأكيد أن إستونيا تتبع مبدأ “الحكومة كمنصة” لتكون قدوة، وذلك من خلال تقديم نظام X-Road مجانًا للدول الأخرى كطريقة للتواصل بين سجلات بيانات كل منها. وقد اعتمدت كل من فنلندا وعُمان وأذربيجان وفلسطين هذا النظام وأبدت كندا اهتمامها به، فيما زارت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل “معرض الحكومة الإلكترونية” الإستوني في صيف عام 2016.

الالتزام بالبساطة

إن دلت تجربة استونيا على شيء، فإنما تدل على أهمية مبدأ “الحكومة كمنصة” في بناء نظام بسيط والسماح له بالنمو والتطور وهو ما يعتبره أورايلي عاملًا رئيسيًا لازدهار الابتكار: “النظام المعقد الناجح هو دائمًا نتاج نظام بسيط ناجح…والنظام الذي يكون معقدًا منذ البداية لا ينجح ولا يمكن إنجاحه”. لكي تستعيد دور المبتكر، يجب على الحكومات إدراك كيفية تطبيق هذا المثال البسيط للمنصة على أرض الواقع. بالنهاية، علينا النظر إلى غالبية المنصات العملاقة التي نقضي عليها جزء كبير من حياتنا اليوم مثل غوغل وفيسبوك وأمازون وتويتر، فجميعها انطلقت من بدايات بسيطة وصغيرة. 

كتبت هذا المقال هيلين مارجيتس، مديرة وأستاذة، معهد أكسفورد للإنترنت، جامعة أكسفورد، المملكة المتحدة

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتكون أول من يعلم بموعد إطلاق المنصة الجديدة المتكاملة للابتكار في منطقة الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

نظام للنقل المصغر في ساكرامنتو الأمريكية

أطلقت الهيئة الإقليمية للنقل في ساكرامنتو نموذجًا تجريبيًا في عام 2018 لتقديم خدمة “SmaRT Ride” في إطار جهودها الرامية إلى تحسين التنقل وتجربة المستخدم وإمكانية الوصول لوسائل النقل العام.