البيروقراطية في القطاع الحكومي

لا شك أن العمل ضمن منظومة القطاع الحكومي أمر ليس بالسهل، حيث أن البيروقراطية التي يواجهها هذا القطاع حالة ظهرت قبل أكثر من مائة عام، وبالتحديد في أعقاب الثورة الصناعية، حينما بدأ التفكير بما تحتاجه أي هيئة مركزية لتتمكن من تصميم وتقديم خدمات حكومية بموثوقية وعدالة ضمن نطاق واسع.
لا شك أن العمل ضمن منظومة القطاع الحكومي أمر ليس بالسهل، حيث أن البيروقراطية التي يواجهها هذا القطاع حالة ظهرت قبل أكثر من مائة عام، وبالتحديد في أعقاب الثورة الصناعية، حينما بدأ التفكير بما تحتاجه أي هيئة مركزية لتتمكن من تصميم وتقديم خدمات حكومية بموثوقية وعدالة ضمن نطاق واسع.

شارك هذا المحتوى

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter
Share on email
Share on whatsapp

التحديات التي تفرضها البيروقراطية

لا شك أن العمل ضمن منظومة القطاع الحكومي أمر ليس بالسهل، حيث أن البيروقراطية التي يواجهها هذا القطاع حالة ظهرت قبل أكثر من مائة عام، وبالتحديد في أعقاب الثورة الصناعية، حينما بدأ التفكير بما تحتاجه أي هيئة مركزية لتتمكن من تصميم وتقديم خدمات حكومية بموثوقية وعدالة ضمن نطاق واسع.

وبينما يوجد للبيروقراطية جوانب إيجابية لا زلنا نطمح للحفاظ عليها، مثل الكفاءة والفعالية والموثوقية والعدالة في تقديم الخدمات، إلا أن الجوانب الأخرى منها أصبحت قديمة وتنعكس سلبًا على الإنتاجية.

فالهياكل التنظيمية التقليدية غير المرنة التي تعيق التواصل الفعال لم تعد مرغوبة اليوم، وكذلك الحال بالنسبة للتوزيع المقيّد للمسؤوليات والنتائج المتوقعة، حيث أن التحديات التي تواجه الجهات الرسمية لا تميّز بين قسم وآخر.

إلى جانب ذلك، فإن وسائل التواصل والعمل المشترك الجامدة التي تحد من قدرات الموظفين لم تعد ملائمة، حيث يحتاج الموظفون لبناء الثقة فيما بينهم ليتمكنوا من التفاعل والعمل سويًا. كما أن تحقيق المصالح المشتركة يحتّم علينا العمل مع عدد كبير من المعنيين.

إلا أننا، في الواقع، نواجه منظومة تم تصميمها وتدريب العاملين ضمنها على أساس بيروقراطي تقليدي، يصعب التغلّب عليه نظرًا لطبيعة الإجراءات والوسائل التقنية والثقافة السائدة ضمن المنظومة.

وعلى ذات الأساس، يعمل النهج التشغيلي الذي نتبعه على الحد من قدراتنا على التعلّم والتكيف. ويتضمن الشكل أدناه محاولة للتعرف على العقبات الأساسية للتغيير ومدى تأثيرها على سلوكنا وثقافتنا.

ضيق الوقت

من أهم عقبات التغيير ضمن القطاع الحكومي هي شعورنا الدائم كموظفين بضيق الوقت، مع إدراكي لكون هذه الفكرة تتناقض مع الصورة النمطية عن الجهات الحكومية والمتمثلة بكونها بطيئة في تنفيذ أعمالها.

لكن الحقيقة هي أننا، ضمن النظام البيروقراطي الحالي، نعمل كثيرًا لكن بموارد قليلة، ونمارس هذا العمل ضمن أنظمة قديمة لصنع القرار، ووسائل تقنية عفا عليها الزمن، تحت الضغط الإعلامي المستمر يوميًا، محاولين في تلك الأثناء تلبية الطلب المتزايد للحصول على الخدمات. وقد خلق هذا الواقع بيئة عمل تشغيلية بحتة، حيث تركّز على إنجاز وتدارك التحديات اليومية، بدلًا من أن تعزّز فرص التعلّم والتفكير.

وتواجه فرق خدمة المتعاملين، وهم «البيروقراطيون الذين يعملون مباشرة مع الجمهور» الذين يسعون لنقل السياسات الحكومية للأفراد من نفس الدرجة من التقييد. ويواجه هؤلاء الموظفين باستمرار إجراءات متغيرة تسعى لخفض التكاليف وتغييرات هيكلية، إضافة إلى البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي تعتمد بشكل متنام على الجهات الحكومية لسد الفجوة في معايير الحياة الاجتماعية.

ويبذل موظفو خدمة الجمهور أقصى قدراتهم لمحاولة تلبية الطلب الحالي، وقلّما يتاح لهم الوقت الذي يمكنهم استثماره في التعلم وتغيير السلوك، والذي بات يعتبر بالنسبة لهم من قبيل الرفاهية.

ومما لا شك فيه أن تغيير السلوكيات وطريقة العمل يتطلب وجود مساحة شخصية وزمنية كافية، وهو ما لا يتوفر أو يتمتع بأي أهمية ضمن نموذجنا التشغيلي.

وبالإضافة إلى ضيق الوقت، ذي التأثير الكبير، توجد ثلاثة قيود أخرى تحد من قدرتنا على التغيير، وهي:

  • اقتصاد المعرفة
  • تجنب المخاطر
  • أوجه الضعف الذاتي للموظفين

اقتصاد المعرفة

تم تصميم الحالة البيروقراطية في المقام الأول لإيجاد هيكل مؤسسي يتيح للفنيين المختصين أن يؤدوا الأعمال التي يبرعوا بها، بشكل متكرر ومستمر وعلى نطاق واسع. وقد تبنت الحكومات هذه الحقيقة وعززت نمو البيروقراطية بصفتها الأداة ذات التأثير الأكبر، ومنبع القوة والسلطة التي تقدّم إجابات على جميع الأسئلة.

ويعتبر هذا المنطق بحد ذاته تحدي.

حيث يتطلب منا الواقع الحالي لبيئة عملنا أن نكون في جهة المتعلّمين لا في جهة مقدّمي الإجابات، ويتطلب منا أن نتحلى بالتواضع وأن نصغي ونتعاون مع الأفراد المعنيين، وذلك لتقدير أهمية تنوع وجهات النظر وحقيقة أنه لا يوجد حل واحد صحيح لمواجهات التحديات المعقدة.

أما نموذجنا التشغيلي الحالي، فيتطلب العكس، حيث علينا أن نملك المعلومات والإجابات حتى نتنبأ بالمستقبل أو نضع استراتيجية أو نزود الوزير بهذه المعلومات والإجابات. وبعبارات أخرى، فنحن نتمسك بما نملك من المعلومات ونولي قيمة وأهمية أكبر للمعرفة بدلًا من التعلم.

وبذلك، نتجاهل أهمية شبكات معارفنا والرؤى والأدلة ومصادر التعلّم، وذلك إما بسبب أوجه الضعف الذاتي في شخصياتنا أحيانًا والذي يجعلنا نشعر بأننا أكثر قوة من غيرنا بسبب احتكار المعرفة الذي نمارسه، أو ببساطة، في أحيان أخرى، بسبب انشغالنا لدرجة تمنعنا من فسح مساحة للتفكير تتيح لنا التعرف على معنيين آخرين قد يستفيدوا من تبادل المعلومات.

وبصرف النظر عن هذا المنطق، نميل عادة إلى جمع المعلومات وإخفائها بدلًا من تبادلها، لكن، عندما لا نشارك معرفتنا والدروس التي تعلمناها مع الآخرين، فإننا نهدر فرصة لتطوير تفكيرنا من خلال الحصول على آراء زملائنا بها، ناهيك عن تبادلها مع المعنيين الخارجيين.

ويعني اقتصاد المعرفة، الذي تشكل المعرفة فيه عملة يتم تداولها أو الاحتفاظ بها، أن مهارات معينة كالفضول والتعلم والإصغاء والتعاون لن تكون ذات قيمة، علمًا أنها مهارات جوهرية للقوى العاملة التي تعمل ضمن بيئة معقدة مع عدة معنيين لحل التحديات الهامة.

تجنب المخاطر

كثيرًا ما نتحدث عن إحجام الحكومات عن اتخاذ المخاطر، رغم أن هذا الحوار قلّما يكون منتجًا، ونركز في هذا الحديث على فكرة “الخوف من الفشل”، وكيف تعيقنا هذه الفكرة من الإقدام على المخاطر التي ينبغي خوضها، كما نركز على خوف العاملين في القطاع الحكومي من المخاطرة خشية تعرضهم للعقاب.

علمًا بأن ما ينبغي بحثه ومناقشته لا يتعلق بالمخاطر المرتبطة بتجارب أو مشاريع ابتكارية محددة، بل عن الشكل الذي تعمل فيه أنظمتنا والطريقة التي تتشكل فيها ثقافتنا، والتي تعمل على استبعاد كافة المخاطر المحتملة في كل خطوة من خطوات صنع القرار والعمل المشترك.

فنحن نعمل ضمن هيكل تنظيمي تتخذ فيه القرارات على كافة المستويات، وينحصر فيه تدريب الموظفين على تلقّي الأوامر من المسؤولين في المناصب العليا وإعطائها للموظفين العاملين تحت إشرافهم بطريقة يستوعبونها. وبالمقابل، نتعامل مع منتجات هؤلاء الموظفين بمنظور متطلبات مدرائنا عند رفعها للإدارة.

وفي الهياكل التنظيمية التي تعيق التواصل والعمل المتبادلين، تعمل فرق العمل على مراقبة وتنظيم نفسها، في محاولة لتنفيذ ما يعتقدون أنها رغبات المدراء. وبالمقابل، تتضاءل التوجيهات الإدارية خلال مرورها بطبقات من الإدارة الوسطى التي تعمل على الحد من المخاطر ضمن هذه التوجيهات، على طول الهيكل التنظيمي وصولاً إلى العاملين.

ونتيجة لذلك، فإن ما يصل من محتوى، سواء من موظفي خدمة الجمهور أو من مسؤولي القيادة العليا، يبقى مجرّد توجيهات مفرغة من المضمون نتيجة لعملية تجنب وتفكيك المخاطر.

بالمحصلة، فإن التفاعلات الصغيرة التي تتضمنها الأنظمة الرسمية للعمل تعمل على تقليص فرص التغيير، سواء كانت لمبادرات قيادية أو رؤى وأفكار مقدمة من موظفي خدمة الجمهور، حيث أن وجودها يقضي على أي فرصة للنقاش والتعاون الفاعلين.

أوجه الضعف الذاتي للموظفين

بطبيعة الحال، لا يمكن تغيير أي نظام ما لم يتغير سلوك الأفراد الذين يعملون فيه، علمًا بأن تغيير السلوك ليس بالأمر السهل؛ فمع أن البيئة قد تساعد على تغيير السلوك، إلا أنه في نهاية المطاف حصيلة مجهود فردي لكل شخص. وليتمكن الفرد من تعلّم وتبني وسائل جديدة لتنفيذ عمله، فلا بد من أن يتمتع بالثقة والمساحة والموارد والدعم اللازم لذلك.

وكما ذكرنا، فإن نظامنا بما يفرضه علينا من ضيق الوقت والتركيز على معرفة الإجابة الصحيحة ومعالجة المعرفة عبر نقلها على طول الهياكل التنظيمية لا يشجع على الشعور بالأمان النفسي، وهو أمر ذو أهمية كبيرة لعملية التعلم. وقد صنع هذا النظام بيئة تضع الموظفين دائمًا في وضعية “المواجهة أو الهرب”، حيث يحاولون اتخاذ القرارات الصائبة لإدارة المخاطر وفق جداول زمنية ضيقة وتوقعات غير واقعية بإنجاز العمل المطلوب منهم.

وفي ظل غياب التدخلات طويلة الأجل والمصممة بتأن ودقة، لا يمكننا أن نتوقع من الموظفين ضمن هذه البيئة أن يملكوا القدرة والثقة على إعطاء الأولوية لأنفسهم، فيفسحون وقتًا ومساحة شخصية للتعلم، ويعززون ثقافة التعلم بين الموظفين العاملين تحت إشرافهم ويحافظون على قنوات تواصل فعال مع زملائهم ومدرائهم، وهذا تحدي تعاني منه البيروقراطية في كل مستوى من مستوياتها.

المصدر:

كتبت هذا المقال سام هانا رانكين بتاريخ 5 ديسمبر 2019. المقال الأصلي منشور على منصة أبوليتيكال.

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتكون أول من يعلم بموعد إطلاق المنصة الجديدة المتكاملة للابتكار في منطقة الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة