مزارع الطاقة الشمسية العائمة في سنغافورة

برزت مزارع الطاقة الشمسة العائمة كحل مبتكر يتيح لسنغافورة التغلب على التحديات المتولدة عن نقص المساحات الأرضية المطلوبة. تتضمن تلك المزارع مجموعة ألواح شمسية مُركّبة على هيكل واحد قادر على أن يطفو فوق سطح المياه.
برزت مزارع الطاقة الشمسة العائمة كحل مبتكر يتيح لسنغافورة التغلب على التحديات المتولدة عن نقص المساحات الأرضية المطلوبة. تتضمن تلك المزارع مجموعة ألواح شمسية مُركّبة على هيكل واحد قادر على أن يطفو فوق سطح المياه.

شارك هذا المحتوى

تعدّ “مزارع الطاقة الشمسية” من أهم مصادر الطاقة المتجددة في العالم، ولكن غالباً ما يتطلب تشييد تلك المزارع إلى مساحات كبيرة من الأراضي الخالية. فهل يمكن استغلال المساحات المائية لتشييد مزارع طاقة شمسية عائمة كحل بديل؟

بالرغم من صغر مساحتها، تتصدر سنغافورة قائمة الدول التي يرتفع فيها معدلات انبعاث ثاني أكسيد الكربون للفرد. وانطلاقاً من رغبتها في الحد من تلك الانبعاثات، ارتأت الحكومة ضرورة البحث عن حلول مبتكرة تسهم في انتاج طاقة نظيفة كمحطات توليد الطاقة الشمسية. ولكن تواجه سنغافورة تحدياً كبيراً في هذا الصدد، حيث أن صغر مساحتها وارتفاع كثافتها السكانية يحدّان من فرص إنشاء محطات توليد الطاقة الشمسية. وتهدد تلك التحديات وصول سنغافورة للأهداف الطموحة التي تتمثل في زيادة استخدام الطاقة الشمسية بأربعة أضعاف بحلول العام 2025، أي تأمين ما يعادل 2% من احتياجات الطاقة في البلاد،  و3% بحلول عام 2030.

تعد سنغافورة من الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة في العالم، حيث تبلغ كثافتها السكانية 8137 نسمة في الكيلو متر المربع. لذا أدركت حكومتها أهمية إعادة النظر في مواردها الطبيعية المتاحة لإيجاد حلول مبتكرة تتغلب على تحديات صغر مساحتها وتساهم في دفعها نحو تحقيق أهدافها المستقبلية. وكتجربة مبتكرة لتجاوز تحدي المساحة المحدودة، توجهت الحكومة إلى استغلال المساحات المائية الكبيرة المحيطة بها باعتبارها موقعاً مثالياً لإنشاء مزارع عائمة للطاقة الشمسية في مبادرة حكومية الأولى من نوعها لتعزيز الاستدامة.

ومن هنا برزت مزارع الطاقة الشمسة العائمة كحل مبتكر يتيح لسنغافورة التغلب على التحديات المتولدة عن نقص المساحات الأرضية المطلوبة. تتضمن تلك المزارع مجموعة ألواح شمسية مُركّبة على هيكل واحد قادر على أن يطفو فوق سطح المياه. وبالتالي توفر هذه المزارع العائمة الحاجة إلى المساحات الأرضية، حيث يمكن تركيبها على مياه البحار والبحيرات الصغيرة، أو في أحواض مائية صناعية، أو حتى في خزانات مياه الشرب. وتشكّل تلك المساحات المائية وسيلة مناسبة لإنشاء مزارع الطاقة الشمسة كونها تتعرض لأشعة الشمس بوفرة، كما أنها أقل عرضة للتخريب أو السرقة. ولهذه الأسباب توجهت سنغافورة إلى استغلال المساحات المائية لإنشاء الألواح الشمسية ضمن مبادراتها الهادفة إلى زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة.

ومن أهم هذه المبادرات تشييد أكبر مزرعة عائمة للطاقة الشمسية في جنوب شرق آسيا، تغطي مساحة تعادل 45 ملعب كرة قدم ومكونة من أكثر من 122 ألف لوح شمسي. ففي إطار سعي الجهات المعنية لدعم تلك المبادرة، عمل مجلس المرافق العامة في سنغافورة (PUB) بالشراكة مع مجموعة Sembcorp للصناعات البحرية على تشييد مزرعة عائمة للطاقة الشمسية بقوة 60 ميغاواط في “خزان تنجه” (Tengeh Reservoir) في المنطقة الغربية من سنغافورة. وستنتج المزرعة ما يكفي من الطاقة لتغطية استهلاك محطات معالجة المياه المحلية. وبحسب تقديرات الخبراء فإن مزرعة “خزان تنجه” سوف تؤدي إلى خفض معدلات انبعاث الكربون بما يعادل انبعاثات 7000 سيارة.

وفي مبادرة أخرى تقوم سنغافورة حالياً ببناء مزرعة عائمة في مضيق “جوهور”، الذي يفصل سنغافورة عن ماليزيا. وتشرف مجموع Sunseap  على تنفيذ هذا المشروع الذي يعد واحد من أحدث مشاريع مزارع الطاقة الشمسية العائمة في العالم. فقد تم حتى الآن تركيب حوالي 13 ألف لوح شمسي على سطح المياه، موزعة على مساحة سبعة ملاعب كرة قدم، ومن المتوقع أن تنتج نحو 5 ميغاواط من الكهرباء، أي ما يكفي استهلاك 1400 شقة لعام كامل. وقد تم تصميم المزرعة العائمة لتتحمل الظروف الجوية المتغيرة والحفاظ على ثبات المنصة وجميع المعدات التشغيلية الموجودة على متنها. كما شُيّد سطح ثانٍ قابل للطي، يستخدم كمركز للزوار وفرق الصيانة.

لكن برزت عدّة تحديات أمام القائمين على مشاريع مزارع الطاقة الشمسة العائمة أثناء تنفيذها. وقد شكلت جائحة كوفيد-19 أكبر تحدي أمام تنفيذ تلك المشاريع، حيث استغرقت الجهات العاملة عليها وقتاً أطول من المعتاد بسبب القيود المفروضة على الحركة والعمل. ومن جهة أخرى، تعتبر عملية إنشاء مزارع الطاقة الشمسية العائمة عملية معقدة بالمقارنة مع المنشآت الأرضية، بسبب صعوبة توقع حالات البحر، وضرورة التعامل مع الأمواج وتيارات المد والجزر، والحاجة إلى تشييد المزارع بعيداً عن طرق الشحن البحري. ومما يزيد الأمر تعقيداً وجود كائنات بحرية تلتصق بالهياكل وألواحها الشمسية تضر بها. لكن على الرغم من تلك العقبات أثبتت تجربة مزارع توليد الطاقة الشمسية نجاحها.

وفي الواقع، استطاعت سنغافورة عبر مزارع الطاقة الشمسة العائمة التغلب على التحديات الناتجة عن ندرة الأراضي المتوفرة لتشييد مشاريع الطاقة المتجددة. وهي تخطط مستقبلاً للتوسع في هذه المشاريع مع احتمال تكرار تجربتها عبر إنشاء مزارع طاقة شمسية عائمة تمتد على مساحات أكبر في عرض البحر بعيداً عن خطوط الشحن البحري وبشكل لا يحدّ من تمتع السكان بالشواطئ في البلاد.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

المحاكم الإلكترونية

تسوية المنازعات عبر الإنترنت: إطار عمل مبتكر في ولاية تكساس

كشفت دراسة حديثة أجرتها OpenGov في العام 2020، أن 82% من الحكومات المحلية في الولايات المتحدة تكبدت خسائر طالت إيراداتها الناتجة عن تحصيل الرسوم والغرامات بسبب تعطل أعمالها نتيجة جائحة كوفيد-19. فبهدف حماية المواطنين من خطر العدوى، تم تعطيل جلسات الاستماع الشخصية في فترة الجائحة. ونتيجة ذلك واجهت السلطات القضائية في الولايات التي تعتمد بشكل كبير على الحضور الشخصي إلى قاعات المحاكم تحدياً تطلّب إيجاد حلول مبتكرة.

أستراليا

إنتاج الكهرباء من بقايا الطعام باستخدام “مَعِدَة” ميكانيكية في أستراليا

تنقل أستراليا أكثر من 5 ملايين طن من الطعام كل عام إلى مكبات النفايات، وهي كمية تكفي لملء 9000 حوض سباحة أولمبي، حيث تتحلّل تلك النفايات وتنتج انبعاثات غازات دفيئة ذات أثر سلبي على البيئة تساهم في تفاقم مشاكل تغيّر المناخ. ومن هذا المنطلق، توجهت أستراليا نحو توظيف تكنولوجيا الطاقة الحيوية في عملية تحويل نفايات الطعام إلى ميثان حيوي، يمكن ضخّه في شبكات الغاز، كما يمكن استخدامه لتوليد الكهرباء، ولصنع الأسمدة وتحسين جودة التربة الزراعية.