تطبيق مفهوم الرؤى السلوكية على “الموازنة التشاركية” في الإكوادور

سعياً منها لتعزيز مشاركة المواطنين في عملية صنع القرار ورفع مستوى ثقتهم بالإنفاق الحكومي، أطلقت حكومة الإكوادور مبادرة قائمة على مبادئ الرؤى السلوكية لحث مواطنيها على التصويت لصالح البرامج الاجتماعية المدرجة ضمن الموازنة الحكومية للبلاد، والتي تم تصميمها بشكل تشاركي.
سعياً منها لتعزيز مشاركة المواطنين في عملية صنع القرار ورفع مستوى ثقتهم بالإنفاق الحكومي، أطلقت حكومة الإكوادور مبادرة قائمة على مبادئ الرؤى السلوكية لحث مواطنيها على التصويت لصالح البرامج الاجتماعية المدرجة ضمن الموازنة الحكومية للبلاد، والتي تم تصميمها بشكل تشاركي.

شارك هذا المحتوى

سعياً منها لتعزيز مشاركة المواطنين في عملية صنع القرار ورفع مستوى ثقتهم بالإنفاق الحكومي، أطلقت حكومة الإكوادور مبادرة قائمة على مبادئ الرؤى السلوكية لحث مواطنيها على التصويت لصالح البرامج الاجتماعية المدرجة ضمن الموازنة الحكومية للبلاد، والتي تم تصميمها بشكل تشاركي.

تبين الدراسات الاقتصادية والاجتماعية أن موازنات المدن قد تتجاهل بعض الشؤون التي تهم المواطنين، الأمر الذي غالباً ما ينتج عن وجود فجوات في التواصل بين المواطنين والمسؤولين. ومن هذا المنطلق برز مفهوم الموازنة التشاركية الذي يتمحور حول تمكين أفراد المجتمع من المشاركة في عملية اتخاذ القرار بشأن إدارة الشؤون المالية لمدنهم، من خلال التصويت على بعض المشاريع المدرجة في موازنات تلك المدن. وُضعت أول موازنة تشاركية في العالم عام 1989 في مدينة بورتو أليغري البرازيلية، في محاولة للتغلب على الفجوة الكبيرة في مستويات المعيشة بين سكان المدينة. ومنذ ذلك العام، أخذ مبدأ الموازنة التشاركية بالانتشار في مدن أمريكا اللاتينية وأوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية.

ولم تكن الإكوادور استثناءً، حيث تبنت عاصمتها، كيتو، نظام الموازنة التشاركية مبكراً، بهدف إشراك المواطنين في عمليات صنع القرارات المرتبطة بشؤون المدينة المالية. وفي أحدث مبادرات الإكوادور في هذا المجال، برز توجه حكومي جديد يعتمد استخدام مبادئ “الرؤى السلوكية” لدفع المواطنين نحو اختيار المشاريع الاجتماعية، عوضاً عن صب اهتمامهم بشكل رئيسي على مشاريع البنى التحتية.

ويمكن تفسير توجه حكومة الإكوادور الأخير هذا نحو الاستعانة بالرؤى السلوكية للتأثير على قرارات المواطنين، بناءً على المسار الذي اتبعته حكومة الإكوادور سابقاً في التعامل مع الموازنة التشاركية. فقد قررت بلدية كيتو مشاركة السكان في وضع موازنة المدينة منذ العام 2006، بناءً على قرار من السلطات الحكومية، لكن هذا الأمر لم يُفعّل حتى العام 2014، عندما تقرر وجوب تحديد 60% على الأقل من موازنة المدينة بشكل تشاركي. وأضفى دستور العام 2018 الطابع المؤسسي على مشاركة المواطنين والرقابة الاجتماعية تحت عنوان “حقوق المشاركة”، حيث نص على إدراج المواطنين في صياغة الموازنة. لكن لم تصدر قوانين تفصيلية تبين آليات تنفيذ الموازنة التشاركية، بل تم وضع إرشادات وتعليمات عامة فقط، وتركت التفصيلات للحكومات المحلية اللامركزية.

ركّزت الموازنة التشاركية لمدينة كيتو في بداياتها على مشاريع البنى التحتية، كبناء الطرق أو بناء الحدائق أو المدارس أو معالجة مشاكل الصرف الصحي، وعلى الرغم من أهمية هذا النوع من المشاريع وإقبال أغلب المواطنين عليها، إلا أنها لا توفر حلولاً للكثير من التحديات الاجتماعية التي تعاني منها الإكوادور. وبناء على ذلك، أقرت حكومة الإكوادور في العام 2017 تخصيص 10% من الموازنة التشاركية للبرامج الاجتماعية، كتعزيز التربية المدنية والاندماج الاجتماعي، حيث تبلغ الموازنة التشاركية 25 مليون دولار سنوياً، أي أن ما يعادل 2.5 مليون منها يخصّص للبرامج الاجتماعية.

ولكن بالرغم من الجهود الحكومية الساعية لتعزيز البرامج الاجتماعية ضمن الموازنة التشاركية يميل أغلب المواطنين إلى التصويت على مشاريع البنى التحتية وتجاهل البرامج الاجتماعية. ولذلك لجأت مدينة كيتو إلى الرؤى السلوكية بهدف إقناع مواطنيها بأهمية المشاريع الاجتماعية للمدينة. وتستند الرؤى السلوكية إلى مجموعة من التخصصات العلمية المتنوعة، مثل علم النفس، والاقتصاد السلوكي، والعلوم المعرفية، والعلوم الاجتماعية، لدراسة كيفية تفكير الناس وتصرفاتهم واتخاذهم للقرارات، بهدف التأثير على سلوكهم وقراراتهم. وتقدم توجهات الرؤى السلوكية مجموعة جديدة من الأدوات التي تساعد صانعي القرار على تصميم وتنفيذ سياسات وبرامج فعّالة تلبي احتياجات المواطنين وتوجهاتهم.

تغلبت كيتو على التحدي المتمثل في تجاهل مواطنيها للبرامج الاجتماعية من خلال تحويل عملية التصويت على المشاريع الاجتماعية إلى نشاط اجتماعي بحد ذاته، حيث يتّبع هذا التحول أحد المبادئ التي يوصي بها خبراء الرؤى السلوكية للتأثير على سلوك الأفراد. وبناء على ذلك، تحولت عملية أخذ القرار حول موازنة البرامج الاجتماعية من مستوى الفرد إلى مستوى مجتمعي يتطلب أن يتواصل المواطنون مع بعضهم البعض لمناقشة أهم المشاكل الاجتماعية وطرق علاجها ضمن الموازنة التشاركية. ولتنفيذ ذلك عملياً، كان من الضروري إشراك مجموعات وشركات استشارية تقوم بالتحدث إلى السكان من أجل كسب تأييدهم للمشاريع الاجتماعية.

وواجهت مدينة كيتو بعض التحديات أثناء التنفيذ تمثل أهمها في صعوبة قياس نجاح المشاريع الاجتماعية وإبراز آثارها الثقافية والاجتماعية على المجتمعات. وبغية التغلب على هذا التحدي، تم الاتفاق على استخدام مقياس لتتبع نمو عدد المشاريع الاجتماعية التي تنال الموافقة سنوياً، حيث أظهر المقياس تزايد اقبال المواطنين عليها بشكل مضطرد.

نجم عن تطبيق نظام الموازنة التشاركية، والمشاريع الاجتماعية الناتجة عنها، ارتفاع مستويات المشاركة العامة، وخاصة من قبل الفئات المهمشة أو ذوي الدخل المحدود، وزيادة الوعي بالمواطنة وأهمية التفاعل مع الحكومة. كما عزز نظام الموازنة التشاركية التنمية على المستوى المحلي من خلال توزيع الموارد بشكل أكثر كفاءة، واستثمار الأموال الحكومية بشكل يتناسب مع الأولويات التي تهم المواطنين. وعلى صعيد التواصل بين المواطنين والمسؤولين، أدى تطبيق الموازنة التشاركية إلى تحسين العلاقة بين الحكومة المحلية والسكان، من خلال تمكين المواطنين من تحديد ومناقشة مشاريع الإنفاق الحكومي وتحديد الأولويات الخاصة بهم، ومنحهم سلطة اتخاذ القرارات الفعلية حول المبالغ التي يتم إنفاقها. الأمر الذي انعكس إيجابياً على مستويات رضى المواطنين عن الدفع الضريبي. ومن جهة أخرى، عزز نظام الموازنة التشاركية التواصل بين المنظمات المجتمعية وقادتها والعمل الجماعي، وحد من النزاعات بين فئات المجتمع المختلفة.

المراجع

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الابتكار

دليل تعلُّم الابتكار

تعد هذه الأدوات من أفضل الأدوات وأكثرها استخداماً في مجال الابتكار الحكومي للتغلب على التحديات عبر تحفيز التفكير الابتكاري واستحداث باقة جديدة من المبادرات والحلول المبتكرة التي تساهم في رفع كفاءة وأداء الجهات الحكومية والرقي بجودة ونوعية خدماتها.

الاختبار والتجربة

سياسات الابتكار الموجّهة لتحقيق الأهداف

وفي إطار الاستجابة لهذه “التحديات الكبرى”، لا بدّ من وضع سياسة ابتكار موجّهة لتحقيق الأهداف المنشودة، وذلك من خلال صياغة مجموعة من الحلول الأساسية التي من شأنها تحفيز آليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك عبر القطاعات المختلفة، على أن يُراعى عند وضع هذه السياسة ما يلي: