تسخير التحفيز السلوكي لتحصيل الضرائب المتأخرة في ولاية بنسلفانيا

تسعى ولاية بنسلفانيا الأمريكية، كغيرها من الولايات الأمريكية، إلى ضمان امتثال الأفراد والشركات للمهل الضريبية، وتحصيل هذه الضرائب في مواعيد استحقاقها.
تسعى ولاية بنسلفانيا الأمريكية، كغيرها من الولايات الأمريكية، إلى ضمان امتثال الأفراد والشركات للمهل الضريبية، وتحصيل هذه الضرائب في مواعيد استحقاقها.

شارك هذا المحتوى

تسعى ولاية بنسلفانيا الأمريكية، كغيرها من الولايات الأمريكية، إلى ضمان امتثال الأفراد والشركات للمهل الضريبية، وتحصيل هذه الضرائب في مواعيد استحقاقها. وبغية مواجهة هذا التحدي، قامت حكومة بنسلفانيا مؤخراً بالاستعانة بـمبدأ “التحفيز السلوكي” لحثّ المواطنين على سداد الضرائب المتأخرة.

تواجه الدوائر المختصة بتحصيل الضرائب في الولايات المتحدة تحديات ناجمة عن التخلّف الضريبي، حيث يتقاعس أو يتهرب الأفراد أو الشركات من تسديد ما يتوجب عليهم من ضرائب، ما يؤثر على تحصيل الميزانيات العامة، خاصة تلك المتعلقة بتنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة التي تصب في مصلحة المجتمع والاقتصاد. وما يزيد الأمر تعقيداً هي التكاليف الإضافية التي تتكبدها هذه الدوائر في عمليات تتبع المتخلفين عن الدفع وملاحقة المخالفين. ومن ناحية أخرى، فإن تمديد المهل الضريبية الذي طبقته الحكومة الفدرالية والحكومات المحلية لتخفيف العبء المالي على الأفراد والشركات بسبب التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد-19، ساهم أيضاً في تراجع مستوى الإيرادات الحكومية.

كانت حكومة ولاية بنسلفانيا قد بدأت البحث عن حلول للتحديات التي تعيق عملية جمع الضرائب، وذلك قبل تفشي كوفيد-19 في العام 2020، وكان توجهها في ذلك يتمحور حول إيجاد طرق مبتكرة لصياغة الإشعارات الضريبية بشكل يحث المواطنين على الالتزام بدفع الضرائب في مواعيدها. فاستعانت حينها إدارة الإيرادات، وهي الجهة المسؤولة عن فرض وجمع الضرائب غير المباشرة في بنسلفانيا، بشركة “ميتريه” (MITRE) غير الربحية والتي تقدم خدماتها لعدة وكالات حكومية، من ضمنها مصلحة الضرائب الفدرالية (IRS)، من خلال إدارة مجموعة من مراكز البحث والتطوير يتم تمويلها من قبل جهات فدرالية.

تطلبت خطة العمل في مراحلها الأولى أن يقوم فريق من علماء السلوك الاجتماعي في شركة ‘ميتريه’ بإجراء دراسة بالتعاون مع فريق إدارة الإيرادات في بنسلفانيا، يتم على ضوئها إيجاد وسائل فعّالة من حيث التكلفة، من شأنها أن تزيد نسبة الامتثال الطوعي من قبل الأفراد والشركات لسداد الضرائب حسب تواريخ الاستحقاق والتعليمات التي تصدرها الإدارة. وتم في بداية الدراسة تحديد العقبة الرئيسية أمام السداد والتي تمثلت في صيغة “إشعار التخلف عن الدفع” الذي يتم إرساله للمتعثرين بعد تخلفهم عن السداد وفق الإشعار الأولي بالدفع. وساهمت تجربة مماثلة سابقة لفريق عمل الشركة مع مصلحة الضرائب الفدرالية في تحديد هذه العقبة، خاصة بعد أن استلمت مصلحة الضرائب العديد من الشكاوى من المواطنين والشركات حول عدم وضوح الإشعارات الضريبية.

فقد تبين لفريق العمل في بنسلفانيا أن نص “إشعار التخلف عن الدفع” هو نص قانوني طويل، جاف ومعقد، يصعب فهمه ولا يقدم خيارات واضحة للقارئ. فكان القرار بأن يتم استبداله بنص مبسط وقصير يفي بالغرض، اعتماداً على ما يعرف بـمبدأ “التحفيز” (nudge) أو الحثّ والدفع الخفيف بالشخص المستهدف على الاستجابة من دون إكراه. يقوم هذا المفهوم على فكرة أساسية مفادها أن البشر قد لا يتصرفون بشكل عقلاني كلياً، لأنهم لا يمتلكون القدرة على تخزين كل المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات العقلانية، مما يتسبب غالباً في اتخاذهم لقرارات قد لا تحقق مصالحهم على الرغم من أنهم على دراية بها.

وعليه قام الخبراء في العلوم السلوكية بتطوير أساليب “التنبيه أو التحفيز” التي تؤثر على عملية صنع القرار أو الخيارات التي يتخذها الناس، وتتنبأ بردة فعل غالبيتهم من خلال دراسة الأسباب خلف سلوكياتهم وتفاعلهم مع العالم من حولهم. وقد لاقت هذه النظرية رواجاً منذ عام 2008، وتبنتها العديد من الحكومات حول العالم، وهي تستخدم في عدة مجالات أهمها صنع السياسات العامة وفي شؤون الاقتصاد والصحة والتسويق وغيرها، على الرغم من تحفظ البعض حول احتمال سوء استخدام هذه الأساليب، خاصة في الأعمال التجارية.  

وهكذا قامت بنسلفانيا بإعادة صياغة وتصميم نسخة تجريبية جديدة من “إشعار التخلف عن الدفع”، وذلك باستبدال اللغة المعقدة والقانونية بلغة سهلة الفهم وسلسة وواضحة ضمن نص موجز خالٍ من المصطلحات القانونية، يقدم المعلومات الضرورية فقط، مثل قيمة الضريبة، ويوفر خيارات متعددة لكيفية الدفع، مع إبراز الاستجابة المطلوبة من المتلقي بخط عريض على رأس الإشعار، بعبارة “ادفع الآن”، كما يوضح النص العواقب في حال عدم الالتزام بدفع الضرائب.

وأتت مرحلة الاختبار لتحديد مدى نجاح الإشعارات الضريبية الجديدة، حيث قام الفريق المشترك بين إدارة الإيرادات وشركة “ميتريه” في البداية بإعداد عينة من الشركات الصغيرة التي لم تلتزم بتسديد الضرائب المتوجبة عليها، ثم تم تقسيم هذه العينة إلى مجموعتين. وتم أولاً إرسال إلى كلا المجموعتين نسخةً من “إشعار التخلف عن الدفع” التقليدي الذي كانت تعتمده إدارة الإيرادات، ثم تلا ذلك إرسال “إشعار التخلف عن الدفع” مرة ثانية لإحدى المجموعتين بينما تلقت المجموعة الأخرى نسخاً من الإشعار الجديد الذي صمم اعتماداً على مبدأ “التنبيه أو التحفيز”.

وبنهاية الدراسة تبين أن نسبة الالتزام بالسداد للمجموعة التي استلمت إشعار التذكير الجديد بلغت 36% مقارنة بنسبة 26% للمجموعة الأخرى. وشكلت الضرائب التي تم دفعها من قبل المجموعة التي تلقت الإشعار الجديد ما نسبته 22% من إجمالي الضرائب المستحقة على المجموعة، بينما لم تتجاوز هذه النسبة 13% من إجمالي المستحقات على المجموعة التي تلقّت الإشعارات التقليدية.

ورأى المسؤولون في إدارة الإيرادات أن النتائج تشير إلى نجاح التجربة، إن كان على صعيد تحسين أداء خدمة العملاء أو رفع مستوى الاتصال مع دافعي الضرائب، فضلاً عن دعمها للصالح العام من جهة رفع نسبة التحصيل والإيرادات بعد أن زودت الإشعارات الجديدة الأفراد والشركات بمعلومات أوضح وأدق لإتمام واجباتهم الضريبية. وبعد نجاح التجربة، قررت إدارة الإيرادات أن تعمم مفهوم “التنبيه أو التحفيز” وتطبقه على جميع إشعاراتها الخاصة بالتخلف عن الدفع الموجهة للأفراد والشركات. كما لقيت جهود فريق عمل إدارة الإيرادات التقدير بعد فوزهم بجائزة الابتكار الحكومي لعام 2020.  

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة