“الشبكات الكهربائية المصغرة” في بروكلين: حل مبتكر ومستدام لإمداد الأحياء المحلية بالكهرباء

يعتبر حي بروكلين أحد أكثر الأحياء ازدحاماً في مدينة نيويورك، حيث تبلغ كثافته السكانية ما يقارب 14,182 نسمة في الكيلومتر المربع الواحد، مما يشكل تحدياً كبيراً أمام مزودي خدمات الطاقة فيه.
يعتبر حي بروكلين أحد أكثر الأحياء ازدحاماً في مدينة نيويورك، حيث تبلغ كثافته السكانية ما يقارب 14,182 نسمة في الكيلومتر المربع الواحد، مما يشكل تحدياً كبيراً أمام مزودي خدمات الطاقة فيه.

شارك هذا المحتوى

يعتبر حي بروكلين أحد أكثر الأحياء ازدحاماً في مدينة نيويورك، حيث تبلغ كثافته السكانية ما يقارب 14,182 نسمة في الكيلومتر المربع الواحد، مما يشكل تحدياً كبيراً أمام مزودي خدمات الطاقة فيه. وبغية توفير الكهرباء للسكان أوجدت الجهات الحكومية حلاً مبتكراً يقضي باستغلال شبكات الكهرباء المصغّرة وتوزيعها على أنحاء الحي.

تعتمد أغلب المدن في العالم على محطات وشبكات توزيع الكهرباء المركزية، ولكن مع تنامي الكثافة السكانية في المدن لجأت بعض الحكومات المحلية لإيجاد حلول مبتكرة تخفف من اعتمادها الشامل على المحطات المركزية. وحسب التقرير الصادر عن البنك الدولي بعنوان “الشبكات المصغرة لنصف مليار شخص”، من المتوقع أن تصبح الشبكات المصغّرة أحد أكثر الوسائل المعتمدة للوصول إلى المناطق النائية ذات الكثافة السكانية المرتفعة. ويوضح التقرير أن الشبكات المصغّرة يمكن أن تؤمن الكهرباء لحوالي نصف مليار شخص بتكلفة معقولة، مما يجعلها خياراً مفضلاً لدى الحكومات والمجتمعات على حد سواء. ولتلك الشبكات المستحدثة فوائد عدة، منها انخفاض تكاليف تركيبها وتشغيلها، واعتمادها بشكل كبير على وسائل الطاقة النظيفة كالطاقة الشمسية، ومقدرتها على تعزيز الظروف المعيشية للمجتمعات الحضرية.

وللجانب الاجتماعي لهذه المسألة بعدٌ في غاية الأهمية خاصةً لمدن مثل نيويورك، التي يقطن فيها 8.5 مليون شخص تقريباً في أحياء متلاصقة ومزدحمة. وقد استطاعت تجربة رائدة في حي بروكلين أن تسلّط الضوء على منافع الشبكات المصغرة التي طالت المجتمعات المحلية. فقد شكّلت الشبكات المصغّرة في الأحياء والمجمّعات المحلية نهجاً جديداً لتحقيق اللامركزية في توليد وتوزيع الكهرباء على السكان والقطاعات الحيوية.

ولكن ما هي الشبكات المصغّرة وكيف تعمل؟ تمثّل الشبكات المصغّرة نظاماً لتوليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها وبالتالي توفير الكهرباء للمجتمعات المحلية بشكل منفصل عن محطات الكهرباء المركزية. على سبيل المثال، يمكن أن يتملّك السكان في مدينة ما، ألواح طاقة شمسية مركبة على أسطح منازلهم لتوليد الكهرباء، حيث تكفي الطاقة المنتجة بالعادة استهلاك تلك المنازل. لكن أحياناً يزيد فائض الانتاج عن الاستهلاك المحلي. وهنا تكمن أهمية الشبكات المصغّرة، حيث تتمحور حول توفير منصة إلكترونية تربط بين سكان المدينة تمكّنهم من بيع وشراء الكهرباء التي تنتجها ألواح الطاقة الشمسية في منازلهم.

ولهذا الابتكار قيمة كبيرة لمدينة كبيرة كنيويورك تحديداً، التي تعاني من تحديات عدة في نظامها الكهربائي، من ضمنها: ارتفاع الطلب على الكهرباء الناتج عن الزيادة السكانية وانتشار السيارات الكهربائية، وتقادم الشبكات الكهربائية، وصعوبة تشغليها في فترات التقلبات المناخية والأحوال الجوية القاسية، مثل الأعاصير وموجات الحرارة المرتفعة.

ولهذا السبب أطلقت نيويورك مبادرة لإصلاح نظام الكهرباء في الولاية، تضمن تخصيص 40 مليون دولار كمنحة مالية لمشاريع الشبكات المصغرة في جميع أنحائها. ويتم إدارة المبادرة من قبل هيئة أبحاث وتطوير الطاقة بولاية نيويورك (NYSERDA)، التي تعمل على تمويل الشبكات المصغرة في الولاية من أولى مراحل التصميم إلى التثبيت.

وفي هذا الجو العام الداعم للشبكات المصغرة في ولاية نيويورك، تمكن شخصان من حي بروكلين من إبرام صفقة بينهما لتبادل الطاقة، سرعان ما تحولت إلى مبادرة مجتمعية شاملة. وقد نمت تلك المبادرة من فكرة مبتكرة مفادها أن الشبكات المحلية المصغّرة تسهم في الحد من انقطاع الكهرباء عن المنازل عند تردي حالة الشبكة الكهربائية المركزية، وذلك من خلال الفصل الكامل للشبكة المصغرة عن الشبكة العامة، والتحكم بإمدادات الطاقة فيها. واعتبرت تلك الفكرة مناسبة جداً لمنطقة كبروكلين، التي تتعرض بشكل متكرر لانقطاعات الكهرباء بسبب اقتراب معدل استهلاك الكهرباء فيها حدوده القصوى.

أثناء تنفيذ المشروع اتضح أن الشبكات المصغرة تدعم استقلالية المجتمعات المحلية بوصفها شبكة تربط بين ملاّك ألواح الطاقة الشمسية المنتجين للكهرباء مع الراغبين في شراء تلك الطاقة. كما أدى استخدام الشبكات المصغّرة إلى إعادة تصميم شبكة الكهرباء التقليدية من خلال اعتماد مفهوم “شبكة الكهرباء التشاركية” التي تتيح لأصحاب المنازل والمحلات التجارية في نيويورك شراء وبيع الطاقة المتجددة المولدة محلياً.

ويتضمن مشروع “شبكة بروكلين المصغّرة” محورين أساسيين:

1) سوق افتراضية لبيع الطاقة التشاركية: وهي عبارة عن منصة بيانات مرخّصة تقوم بعرض أسعار الكهرباء المنتجة محلياً. وتعتمد التعاملات عبر المنصة على تقنية بلوكشين، وتتيح لمنتجي الكهرباء بيع الفائض بشكل مستقل. كما ترصد المنصّة معدلات العرض والطلب، وتتعقب أسعار الطاقة المحلية بشكل مباشر وتعرضها على واجهة رقمية سهلة الاستخدام. وفي حال احتاجت المساكن والشركات إلى الكهرباء يتعيّن عليها أن تدخل في مزادات لشراء الطاقة المتبقية في الشبكة المحلية المصغّرة.

2) شبكة توزيع محلية مصغرة: تم تطوير شبكة بروكلين المحلية المصغّرة كشبكة إضافية لشبكة التوزيع المركزية القائمة. وهي تقدم دعماً احتياطياً يمنع انقطاع التيار الكهربائي في حال فشل الشبكة المركزية، حيث تتلقى المرافق الحيوية (مثل المستشفيات) الكهرباء بمعدلات ثابتة. وتستفيد الشبكة المحلية من الشبكة المركزية التي يديرها مشغّل مستقل، ولا تنفصل عنها إلا في حالات الطوارئ، لتعمل بعدها بوضع يسمّى “الجزيرة المستقلة”.

ومنذ بدء استخدامها، أثبتت الشبكات المحلية المصغرة فائدتها للمجتمعات من نواحٍ عدة. أولاً، ساهمت الشبكات المصغرة في تحقيق توازن محلي مستدام وموثوق بين التوليد والاستهلاك، حيث توفر للمنتجين إمكانية بيع الكهرباء بأسعار متفاوتة داخل مجتمعهم. وبالتالي تساهم هذه المبادرة في تعزيز الاقتصاد المحلي للأحياء، حيث تبقى الأرباح الناتجة عن تجارة الكهرباء داخل الحيّ، بدلاً من سدادها بالكامل لشركات الكهرباء المركزية. وثانياً، أدت الشبكات المصغرة إلى توفير فرص عمل جديدة لتلبية الطلب على تركيبات وصيانة النظام، وللإشراف على تشغيل وإدارة المشروع. وثالثاً، أدت تلك الشبكات إلى الحد من انبعاثات الكربون لاعتمادها بشكل رئيسي على وسائل انتاج الطاقة النظيفة.

المراجع:

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S030626191730805X؟via٪3Dihub#kg005

https://www.brooklyn.energy/about

تقرير الشبكات المصغرة لنصف مليار شخص: توقعات السوق وكتيب لصانعي القرار (2019): https://openknowledge.worldbank.org/handle/10986/31926

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة