السويد تتّجه نحو “الاقتصاد التشاركي” في مبادرة طالت أهم مدنها

يؤدي تزايد عدد السكان إلى زيادة الهدر في الموارد الطبيعية عالمياً، لذا أدركت الحكومات أهمية البحث عن أنماط اقتصادية جديدة تستغل المساحات والطاقة والموارد الطبيعية بشكل أكثر كفاءة.
يؤدي تزايد عدد السكان إلى زيادة الهدر في الموارد الطبيعية عالمياً، لذا أدركت الحكومات أهمية البحث عن أنماط اقتصادية جديدة تستغل المساحات والطاقة والموارد الطبيعية بشكل أكثر كفاءة.

شارك هذا المحتوى

يؤدي تزايد عدد السكان إلى زيادة الهدر في الموارد الطبيعية عالمياً، لذا أدركت الحكومات أهمية البحث عن أنماط اقتصادية جديدة تستغل المساحات والطاقة والموارد الطبيعية بشكل أكثر كفاءة. واستجابةً لتلك التحديات برزت فكرة “الاقتصاد التشاركي” في المدن الكبرى خاصةً. وتعتبر السويد من الدول الرائدة في توفير التشريعات و البيئة المناسبة لتشجيع المبادرات الاقتصادية الصديقة بالبيئة، ومنها الاقتصاد التشاركي.

ومن أحد أهم مبادرات السويد في هذا المجال برنامج “مدن المشاركة السويدية” (Sharing Cities Sweden) الذي يعتبر برنامجاً رائداً يهدف إلى وضع السويد في مقدمة الدول السّاعية إلى إيجاد حلول اقتصادية بديلة ومبتكرة تعتمد على مبدأ الاقتصاد التشاركي. ويتمحور الاقتصاد التشاركي حول تعزيز مشاركة المصادر بين الأفراد والمؤسسات لخفض معدلات الاستهلاك، وإنتاج النفايات، وبالتالي تقليص انبعاثات الكربون، وتعزيز الاستثمار في المنتجات الخضراء والطاقة البديلة.

وقد تم اختيار أربع مدن سويدية لتنفيذ هذا البرنامج وهي ستوكهولم وجوتنبرج ومالمو وأوميو، واعتمادها كمنصات اختبار محلية وعالمية  للاقتصاد التشاركي في المدن. والهدف الرئيسي للبرنامج هو تطوير خدمات المشاركة والحلول الرقمية في هذه المدن، وتقييم الفرص والمخاطر المرتبطة بتطبيق الخدمات والحلول المتعلقة بها.

عمل برنامج “مدن المشاركة السويدية” على تحسين التعاون الوطني والدولي بشكل كبير، وتعزيز تبادل الخبرات المرتبطة بمشاركة الخدمات محلياً وعالمياً. كما تلقت منصات اختبار الاقتصاد التشاركي للمدن الأربعة دعماً من المركز الوطني للتنسيق والتعليم والتبادل الدولي. ومن جهة أخرى رصدت السويد لهذا البرنامج ميزانية قدرها 12 مليون يورو تم انفاقها على مدى 4 سنوات.

يمثّل برنامج “مدن المشاركة السويدية” جزءاً من مشروع أوسع نطاقاً تحت مسمى “المدن الحيوية” (Viable Cities) الذي يعنى بتشجيع الابتكار في السويد نحو مدن أكثر ذكاء واستدامة. وقد حصل المشروع على تمويل مشترك من وكالة الابتكار ووكالة الطاقة السويديتين، ومجلس فورماس  (Formas) للبحوث السويدي للبيئة والعلوم الزراعية والتخطيط المكاني. وتتمثل المهمة الرئيسية لمشروع “المدن الحيوية” في تسريع انتقال المدن إلى مستقبل تنعدم فيه انبعاثات الكربون بحلول عام 2030. ولتحقيق هذه الغاية، يوفر المشروع حوافز متعددة تدعم التعاون بين المدن والقطاعات الصناعية والأوساط الأكاديمية ومعاهد البحث والمجتمع المدني.

لكن كيف تعمل “مدن المشاركة السويدية” عملياً؟ من الناحية التنفيذية، تضمّن المشروع عدة مبادرات، منها مثلاً برنامج لإنشاء مجتمع تعليمي عبر الإنترنت في عام 2020. ولتحقيق ذلك قام العاملون على المشروع بإطلاق دورة تدريبية عامة مجانية ومفتوحة عبر الإنترنت حول المبادئ النظرية والعملية في مدن المشاركة. تحتوي الدورة على مجموعة من النصوص والأفلام القصيرة المتنوعة بالإضافة إلى المنتديات التفاعلية، كما يقوم المتدربون بأداء مهام تعليمية وتدريبية لتعزيز الاستفادة العملية.

وكعينة أخرى من المشاريع المبتكرة تحت مظلة “مدن المشاركة السويدية”، مشروع “إلكتريسيتي” (ElectriCITY) الذي يحظى بأهمية كبيرة في السويد، إذ يضم حالياً 15 شريكاً في مدينة جوتنبرج من القطاعات الصناعية والأكاديمية والمجتمع تعمل معاً لتطوير واختبار وعرض حلول جديدة لدعم أنظمة المواصلات الكهربائية. وفي مدينة جوتنبرج أيضاً، يتيح مشروع “فيكسوتيكن” (Fixoteken) للسكان إمكانية استعارة الأدوات اللازمة لإصلاح الدراجات والأثاث والإلكترونيات وغيرها، عوضاً عن  التخلص منها.

وعلى صعيد آخر ، تطور مدينة ستوكهولم العديد من المشاريع المبنية على الاقتصاد التشاركي. على سبيل المثال، يتيح مشروع “هايغلو” (Hygglo) تأجير المواد والأجهزة بين السكان بشكل مباشر، ما يعزز الاقتصاد التشاركي ويحدث تأثيراً إيجابياً على البيئة عبر خفض معدلات الاستهلاك. وكمثال  آخر، تساهم خدمة “إنستابوكس” (Instabox) في ستوكهولم في توصيل الطرود للسكان مجاناً وفي اليوم ذاته، بواسطة الدراجات الهوائية الصديقة للبيئة.

أما في مدينة مالمو، فتعمل السلطات على تطوير مشروع “حديقة ساج” (Sege Park)، حيث تشارك القائمون على قطاع العقار مع إدارة المدينة لإنشاء مبانٍ تتبنى مفهوم الاقتصاد التشاركي من خلال تخصيص مساحات داخلها تتيح للسكان مشاركة الملابس والأدوات المنزلية ووسائل النقل،. وبالتالي تعتبر حديقة ساج أول منطقة حضرية في العالم أدمجت مفهوم المشاركة في عمليات التخطيط والبناء والتشغيل، بهدف تمكين السكان من العيش بتكاليف معقولة.

كما قامت مدينة أوميو بتشجيع الاقتصاد التشاركي عبر مشروع “فريتيدبانكين” (Fritidsbanken) الذي يسمح للسكان والزوار بإعارة المعدات الرياضية والترفيهية مجاناً. ويعتمد المشروع بشكل كبير على التبرعات، حيث يقوم السكان بالتبرع بالمعدات والأدوات القديمة ليستخدمها آخرون.

وبالرغم من نجاح المشاريع القائمة على الاقتصاد التشاركي في السويد، إلا انها واجهت تحديات عدّة تمثل أهمها في جائحة كوفيد-19 التي تسببت بإغلاق بعض المشاريع بشكل مؤقت. إذ أثرت تعليمات الصحة العامة بالتباعد الاجتماعي بشكل سلبي على رغبة السكان في مشاركة المعدات والأدوات.

وكشف برنامج “مدن المشاركة السويدية” عن فوائد عدّة ل للاقتصاد التشاركي، والتي تتمثل في تعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية في المدن. كما يساهم هذا المشروع  في خفض تكاليف الحياة اليومية على السكان من غذاء وكساء وإصلاحات منزلية ومواصلات. وبالإضافة لفوائده الاقتصادية، يوطد الاقتصاد التشاركي العلاقات الاجتماعية ويسهم في الحد من تلوث البيئة.

المراجع

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة