البيانات الضخمة تنقذ “المُلقِّحات” الصغيرة في المملكة المتحدة

تتعرض المُلقِّحات، وهي كائنات حية كطيور الطنّان والخفافيش والنحل والفراشات والخنافس وأنواع الحشرات الأخرى إلى تهديد متزايد بسبب أنشطة البشر الضارة للبيئة.
تتعرض المُلقِّحات، وهي كائنات حية كطيور الطنّان والخفافيش والنحل والفراشات والخنافس وأنواع الحشرات الأخرى إلى تهديد متزايد بسبب أنشطة البشر الضارة للبيئة.

شارك هذا المحتوى

تتعرض المُلقِّحات، وهي كائنات حية كطيور الطنّان والخفافيش والنحل والفراشات والخنافس وأنواع الحشرات الأخرى إلى تهديد متزايد بسبب أنشطة البشر الضارة للبيئة. وتلعب هذه المُلقِّحات الصغيرة دوراً أساسياً في تكاثر النباتات والمحاصيل الزراعية حيث تتنقل من مكان إلى آخر بحثاً عن الغذاء حاملة معها حبوب الطلع.  ولا يقتصر دور المُلقِّحات على المساهمة المباشرة في الأمن الغذائي العالمي فحسب، بل تعتبر عنصراً أساسياً في الحفاظ على التنوع الحيوي الذي هو ركيزة أخرى من ركائز أهداف التنمية المستدامة.

وتلقيح النباتات عملية أساسية لاستمرار أنظمتنا البيئية، إذ تعتمد أغلبية أنواع النباتات المزهرة البرية وأكثر من ثلث المحاصيل الزراعية في العالم اعتماداً كلياً أو جزئياً على المُلقِّحات الصغيرة. كما تسهم في زيادة الإنتاج الزراعي للفواكه والخضراوات بنسبة 75 بالمائة. وتقدر قيمة الإنتاج الغذائي الذي تساهم في إنتاجه المُلقِّحات بشكل مباشر بين 235 و577 مليار دولار سنوياً.

يتناقص عدد المُلقِّحات يوماً بعد يوم، وتعتبر المبيدات الحشرية السبب الرئيسي وراء ذلك. ويرى العلماء أن الوقت قد حان لاستخدام تقنيات الطب الجزيئي المرتكزة على تحليل البيانات الضخمة لمعالجة هذا التحدي. فمستقبل الزراعة المستدامة يعتمد اليوم على إيجاد حلول مبتكرة لهذا التحدي.

ولهذا الغرض تعمل مختبرات معهد “آلان تورينغ” (المعهد الوطني لعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي) في بريطانيا، بتمويل من مجلس بحوث البيئة الطبيعية، ومجلس بحوث العلوم البيولوجية والتكنولوجيا الحيوية، على إدخال تقنيات الطب الجزيئي لمعالجة تحد تناقص أعداد الحشرات والمُلقِّحات الصغيرة. والجدير بالذكر أن معهد تورينغ، ومقره المكتبة البريطانية بلندن، يقوم بإجراء البحوث حول بعض أهم التحديات التي تواجه العلوم والمجتمع والاقتصاد في المملكة المتحدة ويتعاون مع منظمات القطاع الحكومي والخاص لإيجاد الحلول وتطبيقها.

هناك العديد من الأسباب وراء اختفاء الحشرات منها تغير المناخ وظهور “الزراعة الأحادية” وهي زراعة محصول واحد وإنتاجه في مساحة واسعة من الأرض لسنوات عدة. لكن السبب الرئيسي يتمثل في استخدام مبيدات الآفات الزراعية التي تساهم بشكل كبير في تناقص أعداد الحشرات وانقراضها. وفي الفترة الأخيرة بدأت السلطات المعنية بتنظيم الزراعة والإنتاج الغذائي في إعادة النظر في تصاريح بيع المبيدات الحشرية، حيث كان حصول المزارعين على موافقة لاستخدام مبيد آفات أمراً في غاية السهولة يتطلب إثبات أنه “آمن” على المُلقِّحات. ولكن من الناحية الواقعية، لم يؤخذ بعين الاعتبار سوى نحل العسل. وأدى ذلك إلى اعتبار مبيدات ذات تأثير سام على الحشرات الأخرى، آمنة للاستخدام. في بادئ الأمر لم تأخذ عمليات تقييم المبيدات بالاعتبار سوى تأثيرها على قتل نحل العسل، دون النظر إلى التأثير على الآلاف من أنواع النحل الأخرى، أو الفراشات، أو العث، أو الخنافس. لكن تجدر الإشارة إلى أن عمليات التقييم تحسنت مؤخراً بشكل كبير.

ولحماية المُلقِّحات، نحتاج إلى طريقة جديدة لتقييم المبيدات، وتوضح الأساليب الطبية الحديثة السبيل إلى ذلك. لقد تغير الطب بشكل كبير خلال الخمسة عشر عاماً الماضية. ففي الوقت الحاضر، على سبيل المثال، عند الإصابة بورم، يمكننا من خلال فحص التسلسل الجيني معرفة التغيرات في التسلسل أو النشاط الجيني التي أحدثها الورم، مقارنة بالأنسجة السليمة، وهذا يحدد طريقة العلاج.

لنعكس الفكرة، إذا كان لدينا معلومات مفصلة حول كيفية استخدام المُلقِّحات السليمة لجيناتها، فيمكننا مقارنتها بمعلومات مماثلة من المُلقِّحات التي تعرضت لمبيد الآفات. إذا عرّضنا ملقحاً واحداً لمبيد حشري، يمكننا الآن الحصول على عشرات الآلاف من نقاط البيانات حول كيفية تفاعله من الناحية الفسيولوجية مع هذا السم. ويتم توسيع عملية فحص تأثير المبيدات الحشرية على نطاق أكبر من المُلقِّحات.

وللقيام بذلك، هناك حاجة إلى كميات هائلة من المعلومات الجينومية. ومما يساهم في تسريع العملية في وقتنا الحالي، انخفاض تكلفة فحوصات التسلسل الجيني بنحو 50 ألف مرة في السنوات الـ 12 الماضية، وهو ما سيغير قواعد اللعبة. وقد استغلت المملكة المتحدة تقنية تسلسل الجينوم لرسم خارطة جينية لجميع أنواع الحيوانات والنباتات والفطريات فيها والبالغ عددها 60 ألف تقريباً.

وفور تحديد الجينات القابلة للإصابة في عدد كبير من المُلقِّحات، وتوضيح كيفية استجابتها لمبيدات الآفات، قاموا  بتحقيق قفزة نوعية من خلال إنشاء نموذج تنبؤي، يعتمد فقط على البيانات الجينية، لتوقع مدى حساسية ملقّح معين لمبيد حشري معين.

وأظهرت الدراسات المبكرة جدوى تطبيق التقنيات الجديدة على المُلقِّحات، وتبشر بأن تطبيقها على نطاق واسع يمكنه أن يحسن بشكل كبير في التقليل من تأثير مبيدات الآفات على المُلقِّحات، وتحديد كيفية الحد من التأثيرات الضارة، وتوفير نهج جديد لتصنيف مبيدات الآفات، والمساعدة في توجيه التجارب المختبرية والميدانية.

وتمثل مناهج الطب الجزيئي بدائل حقيقية للإجراءات التقليدية لتقييم آثار الضغوطات البيئية على صحة المُلقِّحات. كما ساهم نهج الطب الجزيئي في تحديد أنماط عمل مبيدات الآفات المختلفة وتأثيراتها على المُلقِّحات. لكن من غير المحتمل أن يحل هذا النهج محل تجارب السمية التقليدية بشكل كامل. لكن يمكن أن يساعد في فهم وتوقع استجابة أنواع المُلقِّحات المتنوعة لمبيدات الآفات الحالية والمستقبلية. سيحدد هذا الأسلوب تجارب السمية اللازمة وبالتالي يزيد بشكل عملي من كفاءتنا لتقييم صحة المُلقِّحات. في نهاية المطاف، يمكن للنهج الجزيئي أن يسهل تحديد المركّبات الكيميائية ذات الحد الأدنى من الآثار الجانبية على الأنواع المفيدة من المُلقِّحات، وبالتالي تحسين استدامة الممارسات الزراعية الصحية.

مراجع

www.turing.ac.uk/blog/big-data-can-save-little-pollinators

www.cell.com/trends/ecology-evolution/fulltext/S0169-5347(19)30357-X?_returnURL=https%3A%2F%2Flinkinghub.elsevier.com%2Fretrieve%2Fpii%2FS016953471930357X%3Fshowall%3Dtrue

www.un.org/ar/observances/bee-day

www.fao.org/pollination

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة