أحياء سكنية خالية من السيارات في برشلونة

تعدّ مدينة برشلونة من أحد المدن الأكثر كثافةً سكانيةً في أوروبا، حيث يقطن ما يقرب 1.6 مليون نسمة فيها على مساحة لا تتعدى 103 كيلومترات مربعة.
تعدّ مدينة برشلونة من أحد المدن الأكثر كثافةً سكانيةً في أوروبا، حيث يقطن ما يقرب 1.6 مليون نسمة فيها على مساحة لا تتعدى 103 كيلومترات مربعة.

شارك هذا المحتوى

تعدّ مدينة برشلونة من أحد المدن الأكثر كثافةً سكانيةً في أوروبا، حيث يقطن ما يقرب 1.6 مليون نسمة فيها على مساحة لا تتعدى 103 كيلومترات مربعة. ولذا أصبح الازدحام المروري، والتلوث، ونقص المساحات المجتمعية، تحديات كبرى تهدد صحة السكان وتحد من استمتاعهم بالحياة الحضرية. ولذلك ارتأت مدينة برشلونة ضرورة تخصيص مساحات خالية من السيارات في بعض أحيائها السكنية ضمن مشروع “الأحياء الرائعة”.

يعتمد تصميم أحياء برشلونة على تقسيمات ذات أشكال مربعة، تنقسم فيها المدينة إلى كتل كبرى تحيط بها طرق عريضة، وتنقسم كل كتلة سكنية إلى مساحات أصغر محاطة بشوارع صغيرة. وبالرغم من أن برشلونة تتمتع بتخطيط حضري متميّز، تفتقر المدينة بسبب صغر حجمها وكثافتها السكانية إلى الحدائق العامة والأماكن المخصصة للأنشطة المجتمعية، كما تعاني من ازدحام مروري خانق وخصوصاً في ساعات الذروة. ولهذا السبب، أدخلت البلدية في العام 2016 لأول مرة في العالم مفهوم “الأحياء الرائعة” كمناطق سكنية خالية من السيارات في قلب المدينة. وقد لاقى المشروع نجاحاً كبيراً أعلنت على أثره بلدية برشلونة مؤخراً نيتها في توسيع المشروع، ووضعت خطة طموحة تعدّ من أكثر التحديثات شمولاً لمدينة أوروبية كبرى حتى الآن في هذا القرن. وتتمحور خطة برشلونة الجديدة حول إعادة تنظيم حركة المرور داخل المدينة للحد من التلوث وتشجيع السكان على المشي واستخدام الدراجات الهوائية للتنقل وتخصيص مساحات لممارسة الأنشطة الرياضية والمجتمعية في أحياء المدينة.

ولكن كيف تخطط برشلونة لهذه العملية المعقدة في ظل ما تعانيه من كثافة سكانية واختناق مروري؟ تعتمد برشلونة في خطتها على مفهوم “الأحياء الرائعة” والذي يتمثل بتخصيص مساحات داخل الأحياء خالية من السيارات، من خلال توجيه حركة المرور خارج شوارع المنطقة الداخلية لتلك الأحياء السكنية إلى الشوارع المحيطة بها، ويستثنى من ذلك سيارات المقيمين ضمن المنطقة، وعربات الخدمات الضرورية، ومركبات تسليم البضائع. ومن المتوقع أن تؤدي هذه العملية إلى تشكيل بؤر اختناق مروري بالمناطق المحيطة بالجزر السكنية في بداية الأمر، ولكن يعوّل القائمون على المشروع على إمكانية تشجيع السكان تدريجياً على استخدام وسائل نقل أخرى غير السيارات كالمشي والدراجات الهوائية عند توفر البنية التحتية المناسبة للتنقل داخل وخارج الجزر السكنية، الأمر الذي قد يؤدي إلى خفض الاعتماد على السيارات وبالتالي تخفيف الازدحام المروري.

واستناداً إلى النجاح الذي حققه المشروع، أعلنت بلدية برشلونة عن خطة جديدة لتحويل 21 شارعاً والمساحات المحيطة بها داخل حي “آيشامبل” (Eixample) إلى “أحياء رائعة” خالية من السيارات، حيث ستبدأ في تنفيذ المشروع في عام 2022. وستقوم البلدية بزراعة الأشجار وتخضير تلك الأحياء، وستخصص ميزانية وقدرها 38 مليون يورو (45 مليون دولار أمريكي) لإكمال المشروع في عام 2030.

وتشير الدراسات إلى أنه إذا تم تنفيذ 503 “حي رائع” في جميع أنحاء المدينة كما تتضمن خطة برشلونة المستقبلية، فإن استخدام المركبات الخاصة سينخفض بمقدار 230 ألف رحلة في الأسبوع، كما من المتوقع أن يقبل السكان تدريجياً على وسائل النقل العام أو المشي أو ركوب الدراجات. كما تشير الدراسات أيضاً إلى أن إنشاء هذه “الأحياء الرائعة” سيؤدي إلى فوائد صحية كثيرة للسكان، ومنها خفض حالات الوفاة المبكرة الناتجة عن تلوث الهواء والضوضاء وارتفاع درجات الحرارة بمقدار 667 حالة وفاة سنوياً. ومن جهة أخرى سيشجّع توافر المساحات الخضراء داخل المدينة السكان على ممارسة الأنشطة خارج منازلهم، مما يساعد في خفض معدلات السمنة والإصابة بداء السكري، وبالتالي تخفيف الضغط على الخدمات الصحية. وعلى صعيد آخر، وجود المساحات الخضراء داخل المناطق السكنية يشجّع السكان على القيام بالمزيد من الأنشطة المجتمعية ويحد من مشاعر الوحدة والعزلة، خاصة بين السكان المسنين.

وعلى الرغم من أنّ التجربة السابقة نجحت في رفع جودة الحياة لدى سكان “الأحياء الرائعة” وأتاحت الفرصة أمام المشاة وراكبي الدراجات لتتنقل بأمان وراحة، وقللت من التلوث البيئي والضوضائي الناتج عن السيارات، لكن لم تكن تلك التجربة دون تحديات أثّرت على سير المشروع. حيث يتوقع القائمون على المشروع أن تلاقي الخطة الجديدة اعتراضات وربما مظاهرات احتجاجية كما حدث في الماضي من جانب سائقي السيارات، فقد ضيقت “الأحياء الرائعة” الحركة أمام السيارات حتى أمام المركبات المستثناة داخل الجزر، حيث أعطت أولوية المرور للمشاة، وحدّت السرعة القصوى للمركبات إلى 10 كيلومترات في الساعة فقط. ولذلك تدرك بلدية برشلونة أهمية معالجة الموضوع في المراحل الأولى للمشروع، حيث تنظر حالياً في إمكانية تحسين الطرق المحيطة بالجزر السكنية، أو تركيب نظم ذكيّة لإدارة حركة المرور. ومن جهة أخرى، قد ترفع “الأحياء الرائعة” من جاذبية تلك الأحياء للسكن، وبالتالي سترتفع أسعار المنازل والإيجارات فيها، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على المستأجرين الحاليين. أما التحدي الأكبر فيتمثل في الحاجة إلى توفير التمويل الكافي لتنفيذ المشروع، وهي مسؤولية تتحملها البلدية بشكل رئيسي.

ونظراً لاختلاف التخطيط العمراني للمدن حول العالم، قد يصعب تكرار تجربة “الأحياء الرائعة” في مدينة برشلونة ضمن سياق آخر، وخصوصاً في المدن القديمة المزدحمة بالسكان. لكن من المؤكّد أن المبادئ الأساسية التي تقوم عليها “الأحياء الرائعة” كتخصيص مساحات خضراء للسكان وخفض معدلات التلوث تشكّل أساساً صلباً لتعزيز جودة الحياة الحضرية في أي مدينة.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاختبار والتجربة

سياسات الابتكار الموجّهة لتحقيق الأهداف

وفي إطار الاستجابة لهذه “التحديات الكبرى”، لا بدّ من وضع سياسة ابتكار موجّهة لتحقيق الأهداف المنشودة، وذلك من خلال صياغة مجموعة من الحلول الأساسية التي من شأنها تحفيز آليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك عبر القطاعات المختلفة، على أن يُراعى عند وضع هذه السياسة ما يلي:

البيانات الضخمة

توظيف البيانات الضخمة لعلاج الأمراض ومستشعرات الذكاء الاصطناعي للرعاية الصحية في حالات الطوارئ

صممت كوريا الجنوبية هذه المبادرة لتكون بمثابة عنصر أساسي ومحفز لتحقيق هدفها المتمثل بتحويل البلاد إلى مركز عالمي وحيوي للتقنيات الحيوية والطبية. ومن جهتها، تخطط وزارة الصحة لتعزيز الاستثمار